أحمد بن علي القلقشندي
415
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ذات بينهم وتنازعهم ، فلم يكن بينهم إلا الرّسل على الخيل والبغال ، في كلّ أرض بحسبها . فلما جاءت الدّولة الزّنكيّة أقامت لذلك النّجّابة ( 1 ) ، وأعدّت له النّجب المنتخبة . ودام ذلك مدّة زمانها ثم زمان بني أيّوب إلى انقراض دولتهم . وتبعها على ذلك أوائل الدّولة التّركية ، حتّى صار الملك إلى الملك الظاهر بيبرس رحمه اللَّه ، واجتمع له ملك مصر والشام وحلب إلى الفرات ، وأراد تجهيز دولته إلى دمشق فعيّن لها نائبا ، ووزيرا ، وقاضيا ، وكاتبا للإنشاء . قال : وكان عمّي الصاحب شرف الدّين أبو محمد عبد الوهّاب رحمه اللَّه هو كاتب الإنشاء ، فلما مثل إليه ليودّعه ، أوصاه وصايا كثيرة ، آكدها مواصلته بالأخبار وما يتجدّد من أخبار التّتار والفرنج ، وقال له : إن قدرت أن لا تبيّتني كلّ ليلة إلا على خبر [ ولا تصبّحني إلا على خبر ] ( 2 ) فافعل ، فعرّض له بما كان عليه البريد في الزّمان الأوّل وأيام الخلفاء ، وعرضه عليه فحسن موقعه منه وأمر به . قال عمّي : فكنت أنا المقرّر له قدّامه وبين يديه . ثم ذكر أنه لم يزل باقيا على ذلك إلى أيّامه . ثم قال : وهو جناح الإسلام الذي لا يحصّ ( 3 ) ، وطرف قادمته التي لا تقصّ . قلت : ولم يزل البريد بعد ذلك مستقرّا بالديار المصريّة والممالك الشّاميّة إلى أن غشي البلاد الشامية تمرلنك صاحب ما وراء النّهر ، وفتح دمشق وخرّبها وحرّقها في سنة أربع وثمانمائة ، فكان ذلك سببا لحصّ جناح البريد وبطلانه من سائر الممالك الشامية . ثم سرى هذا السّمّ إلى الدّيار المصرية فألحقها بالهمل ، ورماها بعد الحلي بالعطل ، فذهبت معالم البريد من مصر والشام ، وعفت آثاره ، وصار إذا عرض أمر من الأمور السلطانية في
--> ( 1 ) أي رجال البريد ؛ ويقال : البريدية والبريديّون . واحدها : بريديّ . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية عن التعريف : ص 187 . ( 3 ) حصّ الشعر : حلقه ، والريش : قصّه ونتفه .