أحمد بن علي القلقشندي
408
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأمره أن ينصب الأرصاد على منازل المغنّيات والمغنّين ، ومواطن الأبليات ( 1 ) والمخنّثين ؛ فإذا أتاه خبر لجمع يضمّهم ، ومأدبة تعمّهم ، ضرب إليها أعناق إبله ، وأنضى نحوها مطايا خيله ، وحمل عليها حملة الحوت الملتقم ، والثّعبان الملتهم ، واللَّيث الهاصر ، والعقاب الكاسر ، إن شاء اللَّه . وأمره أن يتجنّب مجامع العوامّ المقلَّين ، ومحافل الرّعاع المقترين ، وأن لا ينقل إليها قدما ، ولا يعفّر لمأكلها فما ، ولا يلقى في عتب دورها كيسانا ( 2 ) ، ولا يعدّ الرّجل منها إنسانا ، فإنها عصابة يجتمع لها ضيق النّفوس والأحلام ، وقلَّة الإحكام والأموال ؛ وفي التّطفيل عليها إجحاف بها يوسم ، وإزراؤه بمروءة المتطفّل يوصم ؛ والتّجنّب لها أحرى ، والأزورار عنها أحجى ، إن شاء اللَّه . وأمره أن يحزر الخوان إذا وضع ، والطعام إذا نقل ، حتى يعرف بالحدس والتّقريب ، والبحث والتّنقيب ، عدد الألوان في الكثرة والقلَّة ، وافتنانها في الطيّب واللَّذّة ، فيقدّر لنفسه أن يشبع مع آخرها ، وينتهي منها عند انتهائها ، ولا يفوته النّصيب من كثيرها وقليلها ، ولا يخطئه الحظَّ من دقيقها وجليلها . ومتى أحسّ بقلَّة الطَّعام ، وعجزه عن الأقوام ، أمعن في أوّله إمعان الكيّس من سعته ، الرّشيد في أمره ، الماليء لبطنه ، من كلّ حارّ وبارد ، وخبيث وطيّب ؛ فإنه إذا فعل ذلك سلَّم من عواقب الأغمار الذين يكفّون تطرّفا ، ويقلَّون تأدّبا ، ويظنّون أن المادّة تبلغهم في آخر أمرهم ، وتنتهي بهم إلى غاية سعيهم ، فلا يلبثوا أن يخجلوا خجلة الواثق ، وينقلبوا بحسرة الخائب ، أعاذنا اللَّه من مثل مقامهم ، وعصمنا من شقاء جدودهم ، إن شاء اللَّه .
--> ( 1 ) كذا في الأصل . وفي الطبعة الأميرية مع علامة توقف . ولعلها تحريف ل « أبيلات » . من : أبل أبالة أي ترهّب وتنسّك ، فهو أبيل ، وهنّ أبيلات . والمراد هنا عكس معناها الحقيقي ، أي نساء السوء . ( 2 ) كيسان : اسم للغدر .