أحمد بن علي القلقشندي

409

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وأمره أن يروض نفسه ، ويغالط حسّه ، ويضرب عن كثير مما يلحقه صفحا ، ويطوي دونه كشحا ، ويستحسن الصّمم عن الفحشا ؛ وإن أتته اللَّكزة في حلقه ، صبر عليها في الوصول إلى حقّه ، وإن وقعت به الصّفعة في رأسه ، صبر عليها لموقع أضراسه ، وإن لقيه لاق بالجفاء ، قابله باللَّطف والصّفاء ، إذ كان قد ولج الأبواب ، وخالط الأسباب ؛ وجلس مع الحضور ، وامتزج بالجمهور ، فلا بدّ أن يلقاه المنكر لأمره ، ويمرّ به المستغرب لوجهه ؛ فإن كان حرّا حييّا أمسك وتذمّم ، وإن كان فظَّا غليظا همهم وتكلَّم ، وتجنّب عند ذلك المخاشنة ، واستعمل مع المخاطب له الملاينة ، ليبرّد غيظه ، ويفلّ حدّه ، ويكفّ غربه ، ويأمن شغبه ؛ ثم إذا طال المدى تكررت الألحاظ عليه فعرف ، وأنست النّفوس به فألف ، ونال من المحالّ المجتمع عليها ، منال من حشم وسئل الذّهاب إليها . وقد بلغنا أن رجلا من العصابة كان ذا فهم ودراية ، وعقل وحصافة ، طفّل على وليمة ، لرجل ذي حال عظيمة ، فرمقته فيها من القوم العيون ، وصرفت بهم فيه الظَّنّون ، فقال له قائل منهم : من تكون أعزّك اللَّه ؟ فقال : أنا أوّل من دعي إلى هذا الحقّ . قيل له : وكيف ذاك ونحن لا نعرفك ؟ فقال : إذا رأيت صاحب الدّار عرفني وعرّفته نفسي ؛ فجيء به إليه ، فلما رآه بدأه بأن قال له : هل قلت لطبّاخك : أن يصنع طعامك زائدا على عدد الحاضرين ، ومقدار حاجة المدعوّين ؟ قال : نعم ! قال : فإنّما تلك الزيادة لي ولأمثالي ، وبها يستظهر لمن جرى مجراي ، وهي رزق لنا أنزله اللَّه على يدك وبك ، فقال له : كرامة ورحبا ، وأهلا وقربا ؛ واللَّه لا جلست إلا مع علية الناس ووجوه الجلساء ، إذ أطرفت في قولك ، وتفنّنت في فعلك . فليكن ذلك الرجل إماما يقتدى به ، ويقتفى طريقه ، إن شاء اللَّه . وأمره بأن يكثر من تعاهد « الجوارشنات » ( 1 ) المنفّذة للسّدد ، المقوّية

--> ( 1 ) أي الجوارش ، وهي الحلويات ، ( معجم عبد النور المفصل : 1 / 695 ) .