أحمد بن علي القلقشندي

407

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وكيرة ( 1 ) الدّار ، والعرس والإعذار ، فإنهم يوسّعون على نفوسهم في النّوائب ، بحسب تضييقهم عليها في الرّاتب ؛ وربّما صبروا على تطفيل المتطفّلين ، وأغضوا على تهجّم الواغلين ، ليتحدّثوا بذلك في محافلهم الرّذلة ، ويعدّوه في مكارم أخلاقهم النّذلة ؛ ويقول قائلهم الباجح باتّساع طعامه ، المباهي بكثرة حطامه : إنّني كنت أرى الوجوه الغريبة فأطعمها ، والأيدي الممتدّة فأملؤها . وهذه طائفة لم ترد بما فعلته الكرم والسّعة ، وإنما أرادت المنّ والسّمعة ؛ فإذا اهتدى الأريب إلى طرائقها وصل إلى بغيته من إعلان قضيّتها ، وفاز بمراده من ذخائر حسنتها ، إن شاء اللَّه . وأمره أن يصادق قهارمة ( 2 ) الدّور ومدبّريها ، ويرافق وكلاء المطابخ وحمّاليها ، فإنّهم يملكون من أصحابهم أزمّة مطاعمهم ومشاربهم ، ويضعونها بحيث يحبّون من أهل مودّاتهم ومعارفهم ؛ وإذا عدّت هذه الطائفة أحدا من الناس خليلا من خلَّانها ، واتّخذته أخا من إخوانها ، سعد بمرافقتها ، ووصل إلى محابّه من جهاتها ، ومآربه في جنباتها . وأمره أن يتعهّد أسواق المسوّقين ، ومواسم المتبايعين ؛ فإذا رأى وظيفة قد زيد فيها ، وأطعمة قد احتشد مشتريها ، اتّبعها إلى المقصد بها ، وشيّعها إلى المنزل الحاوي لها ، واستعلم ميقات الدّعوة ، ومن يحضرها من أهل النّسيان والمروّة ، فإنه لا يخلو فيهم من عارف به يراعي وقت مصيره إليها ليتبعه ، ويكمن له ليصحبه ويدخل معه ؛ وإن خلا من ذلك اختلط بزمر الدّاخلين ، وعصب الرّاحلين ؛ فما هو إلا أن يتجاوز عتب الأبواب ، ويخرج من سلطان البوّابين والحجّاب ، حتّى يحصل حصولا قلّ ما حصل [ عليه ] ( 3 ) أحد قبله فانصرف عنه إلا ضليعا من الطَّعام ، بريقا من المدام ، إن شاء اللَّه .

--> ( 1 ) الوكيرة والوكرة : طعام يعمل عند الفراغ من البنيان . ( 2 ) القهرمان : مدبر البيت ومتولي شؤونه ، فارسي معرّب . ( 3 ) الزيادة يقتضيها السياق .