أحمد بن علي القلقشندي
406
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وتقليده ، فإنّ كثيرا من الناس قد استقبحه ممن فعله ، وكرهه لمن استعمله ، ونسبه فيه إلى الشّره والنّهم ، وحمله منه على التّفه والقرم ؛ فمنهم من غلط في استدلاله ، فأساء في مقاله ، ومنهم من شحّ على ماله ، فدافع عنه باحتياله ؛ وكلّ الفريقين مذموم ، وجميعهما ملوم ؛ لا يتعلقان بعذر واضح ، ولا يعتريان من لباس فاضح ؛ ومنهم الطائفة التي ترى فيها شركة العنان : فهي تتدلَّه إذا كان لها ، وتتدلَّى عليه إذا كان لغيرها ، وترى أن المنّة في المطعم للهاجم الآكل ، وفي المشرب للوارد الواغل ؛ وهي أحقّ بالحرّيّة ، وأخلق بالخيريّة ، وأحرى بالمروّة ، وأولى بالفتوة ؛ وقد عرفت بالتّطفيل ، ولا عار فيه عند ذوي التّحصيل ، لأنه مشتقّ من الطَّفل وهو وقت المساء ، وأوان العشاء ، فلما كثر استعمل في صدر النّهار وعجزه ، وأوّله وآخره ، كما قيل للشّمس والقمر : قمران وأحدهما القمر ، ولأبي بكر وعمر : العمران وأحدهما عمر ؛ وقد سبق إمامنا « بيان » رحمة اللَّه عليه إلى هذا الأمر سبقا أوجب له خلود الذّكر ، فهو باق بقاء الدّهر ، ومتجدّد في كلّ عصر ؛ وما نعرف أحدا نال من الدّنيا حظَّا من حظوظها فبقي له منه أثر يخلفه ، وصيت يستبدّ به إلا هو وحده ، فبيان رضوان اللَّه عليه يذكر بتطفيله كما تذكر الملوك بسيرها ؛ فمن بلغ إلى نهايته ، أو جرى إلى غايته ، سعد بغضارة عيشه في يومه ، ونباهة ذكره في غده ؛ جعلنا اللَّه جميعا من السابقين إلى مداه ، والمذكورين كذكراه . وأمره أن يعتمد موائد الكبراء والعظماء بغزاياه ، وسمط الأمراء والوزراء بسراياه ، فإنه يظفر منها بالغنيمة الباردة ، ويصل عليها إلى الغريبة النّادرة ؛ وإذا استقراها وجد فيها من طرائف الألوان ، الملذّة للسان ، وبدائع الطَّعوم ، السّائغة في الحلقوم ، ما لا يجده عند غيرهم ، ولا يناله إلا لديهم ، لحذق صناعتهم ، وجودة أدواتهم ، وانزياح عللهم ، وكثرة ذات بينهم ؛ واللَّه يوفّر من ذلك حظَّنا ، ويسدّد نحوه لحظنا ، ويوضّح عليه دليلنا ، ويسهّل إليه سبيلنا . وأمره أن يتّبع ما يعرض لموسري التّجّار ، ومجهّزي الأمصار ، من