أحمد بن علي القلقشندي
405
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
معها في سوادها وأطرافها ، لما توسّمه فيه من قلَّة الحياء ، وشدّة اللَّقاء ، وكثرة اللَّقم ، وجودة الهضم ، ورآه أهلا له من سدّ مكانه ، والرّفاهة المهملة التي فطن لها ، والرّقاعة ( 1 ) المطَّرحة التي اهتدى إليها ، والنّعم العائدة على لا بسيها بملاذّ الطَّعوم ، وخصب الجسوم ، وردّا على من اتسعت حاله ، وأقدره اللَّه على غرائب المأكولات ، وأظفره ببدائع الطَّيّبات ، آخذا من ذلك كلَّه بنصيب الشّريك المناصف ، وضاربا فيه بسهم الخليط المفاوض ، ومستعملا للمدخل اللَّطيف عليه ، والمتولَّج العجيب إليه ، والأسباب التي ستشرح في مواضعها من أوامر هذا الكتاب ، وتستوفى الدّلالة على ما فيها من رشاد وصواب ؛ وباللَّه التّوفيق وعليه التّعويل ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . أمره بتقوى اللَّه التي هي الجانب العزيز ، والحرز الحريز ، والرّكن المنيع ، والطَّود الرّفيع ، والعصمة الكالئة ، والجنّة الواقية ، والزّاد النّافع يوم المعاد ، وحيث الأمثلة من الأزواد ، وأن يستشعر خيفته في سرّه وجهره ، ويراقبه في قوله وفعله ، ويجعل رضاه مطلبه ، وثوابه مكسبه ، والقربة منه أربه ، والزّلفى لديه غرضه ، ولا يخالفه في مسعاة قدم ، ولا يتعرّض عنده لعاقبة ندم ، ولا يقدم على ما كره وأنكر ، ولا يتقاعس عما أحبّ وأمر . وأمره أن يتأدّب بأدبه فيما يأتي ويذر ، ويقف على حدوده فيما أباح وحظر ، فإنه إذا كان ذلك هجّيراه وديدنه ( 2 ) ، وجرى عليه منهاجه وسننه ، تكفّل اللَّه له بالنّجاح والصّلاح ، وأفضى به إلى الرّشاد والفلاح ، وأظفره بكلّ بغية ، وأوصله إلى كلّ مشية ، ولم يخله من الفوز بما يرصد ، والحوز بما يقصد ؛ بذاك وعد ، وكذاك يفعل ؛ وما توفيقنا إلا باللَّه ، ولا مرجعنا إلا إليه . وأمره أن يتأمّل اسم التّطفيل ومعناه ، ويعرف مغزاه ومنحاه ، ويتصفّحه تصفّح الباحث عن حظَّه بمحموده ، غير القائل فيه بتسليمه
--> ( 1 ) الرّقاعة : الحماقة وضعف العقل ؛ وتستعمل فيما ينشأ عنها من قلة الحياء والصفاقة . ( 2 ) الهجّيرى : الدأب والعادة ؛ والديدن كذلك .