أحمد بن علي القلقشندي
400
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
النّاصر - خلَّد اللَّه سلطانه - قد جمع في المحتد بين طارف وتالد ، وورث الملك عن أشرف أخ وأعظم والد ، وقامت على استحقاقه للسّلطنة الدلائل ، وألفه سرير الملك وعرف فيه من والده ومن أخيه - رحمهما اللَّه تعالى - الشّمائل ؛ فهو المالك الذي لم يزل الملك به آهلا ولم يزل له أهلا ، والسّيّد الذي لبس حلَّة الفخار فلم نجد له في السّؤدد والفخار مثلا ، والملك الذي ما بدا لرائيه إلا قيل : بحر طمى أو بدر تجلَّى ، والمؤيّد الذي خصّه اللَّه تعالى بعلوّ شأنه وارتقائه ، ولم يرض مراقد الفراقد لعليائه ، والكريم الذي ساد الأوائل والأواخر ، وأضفيت عليه حلل المفاخر ، والمنصور الذي أعطي على الأعداء قوّة ونصرا ، والنّاصر الذي اتّسع مجال نصره فأخذ الكفّار حصرا ، وحكمت سيوفه القواضب فوضعت عن الأولياء إصرا ، قد خصّه اللَّه تعالى بالعزّ والنّصر كرّة بعد كرّة ، وفضّله على سائر ملوك الإسلام بالحجّ وزيارة النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مرّة بعد مرّة ، ومرّة أخرى إن شاء اللَّه تعالى ومرّة ومرّة ! ! ! كم سلك سنن والده وأخيه - رحمهما اللَّه تعالى - بالغزاة فكان له كلّ مشهد مذكور ، وعرف تقدّمه وإقدامه فكان أعظم ناصر وأشرف منصور ؛ يحمده اللَّه تعالى والناس عن جميل ذبّه عن الإسلام وحميد فعله ، واستقلّ الجزيل فينيل الجميل لمن أمّ أبوابه الشريفة فلا يستكثر هذا من مثله ؛ ما حملت راياته الشّريفة كتيبة إلا نصرت ، ولا وقف بوجهه الكريم في دفع طائفة الكفر إلا كسرت ، ولا جهّز عساكره المنصورة إلى قلعة إلا نزل أهلها من صياصيهم ، ولا حاصروا ثغرا للكفّار إلا أخذوا بنواصيهم ، ولا سيّر سريّة لمواجهة محارب إلا ذلّ على رغمه ، ولا نطق لسان الحمد للمجاهد أو سار الشاهد إلَّا وقف الحمد على قوله واسمه ، فاختاره اللَّه تعالى على علم على العالمين ، واجتباه