أحمد بن علي القلقشندي
366
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الأسرار والسّرائر ، واستقرّ عند ذوي القلوب السّليمة ، والعقول الرّاجحة المستقيمة ، أنّ منزلة علم الشّريعة عند اللَّه تعالى أعلى المنازل ، وفضله أفضل المآثر وآثر الفضائل ، وخصوصا معرفة تفاصيل أحكام أفعال المكلَّفين بالشّريعة المحمّديّة ، التي من علمها وعمل بها وعلَّمها فقد سعد السّعادة الأبدية ؛ إذ هي الشريعة الجامعة لمصالح الدّنيا والآخرة ، النّاسخة لما خالفها من الشّرائع الغابرة ، الباقية إلى أن يأتي وعيد اللَّه وكلّ شريعة سواها داثرة ؛ فقد أعظم اللَّه تعالى على من حفظها على عباده المنّة ، إذ جعله وقاية لهم من مهالك الجهل وجنّة ، ووعده أن ينزل في أعلى منازل الجنّة ، لما شهدت به نصوص الكتاب والسّنّة ؛ قال اللَّه تعالى لنبيّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : * ( وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) * ( 1 ) ، فنبّهه على أنّ العلم أقوى أسباب العبادة ، إذ خصّه به وحضّه على أن يطلب منه الزّيادة ، وقال تعالى : * ( وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إِلَّا الله والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) * ( 2 ) ، فثنّى بذكرهم بعده ، لكونهم أفضل الخلائق عنده ، وقال تبارك وتعالى اسمه ، وتقدّس علمه : * ( إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِه الْعُلَماءُ ) * ( 3 ) ؛ فأوضح بذلك أنّ أولياءه من خلقه العلماء ؛ إذ وصفهم وخصّهم بأنهم الخائفون منه الأتقياء . وقال عليه السّلام : « من يرد اللَّه به خيرا يفقّهه في الدّين » ، وقال أيضا : « من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل اللَّه له طريقا إلى الجنّة » ، وقال أيضا : « ألا إنّ الدّنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه تعالى وما والاه ، وعالم ومتعلَّم » . ولما كان فلان - أدام اللَّه تعالى تسديده وتوفيقه ، ويسّر إلى الخيرات طريقه - ممّن شبّ ونشأ في طلب العلم والفضيلة ، وتخلَّق بالأخلاق المرضيّة الجميلة الجليلة ، وصحب السّادة من المشايخ والفقهاء ، والقادة من الأكابر
--> ( 1 ) طه / 114 . ( 2 ) آل عمران / 7 . ( 3 ) فاطر / 28 .