أحمد بن علي القلقشندي

337

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

صخرا ، أو هدم به بناء مشمخرّا ؛ ونظر إلى رفيقه ، مبشّرا له بما امتاز به عن فريقه . وإذا به قد أظلته عقاب كاسر ، كأنّما أضلَّت صيدا أفلت من المناسر ؛ إن حطَّت فسحاب انكشف ، وإن أقامت فكأنّ قلوب الطَّير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف ( 1 ) ، بعيدة ما بين المناكب : إذا أقلعت لجّت علوّا كأنّما تحاول ثأرا عند بعض الكواكب ( 2 ) يرى الطَّير والوحش في كفّها ومنقارها ذا عظام مزاله فلو أمكن الشّمس من خوفها إذا طلعت ما تسمّت غزاله ! فوثب إليها الثامن وثبة ليث قد وثق من حركاته بنجاحها ، ورماها بأوّل بندقة فما أخطأ قادمة جناحها ؛ فأهوت كعود صرع ، أو طود صدع ؛ قد ذهب باسها ، وتذهّب بدمها لباسها ؛ وكذلك القدر يخادع الجوّ عن عقابه ، ويستنزل الأعصم من عقابه ، فحملها بجناحها المهيض ، ورفعها بعد التّرفّع في أوج جوّها من الحضيض ، ونزل إلى الرّفقة ، جذلا بربح الصّفقة . فوجد التّاسع قد مرّ به كركيّ طويل الشّفار ، سريع النّفار ، شهيّ الفراق ، كثير الاغتراب يشتو بمصر ويصيف بالعراق ؛ لقوادمه في الجوّ حفيف ، ولأديمه لون سماء طرأ عليها غيم خفيف ؛ تحنّ إلى صوته الجوارح ، وتعجب من قوّته الرّياح البوارح ؛ له أثر حمرة في رأسه كوميض جمر تحت رماد ، أو بقيّة جرح تحت ضماد ، أو فصّ عقيق شفت عنه بقايا ثماد ؛ ذو منقار كسنان ، وعنق كعنان ؛ كأنّما ينوس ، على عودين من آبنوس :

--> ( 1 ) حلّ بيت امريء القيس : كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف البالي ( 2 ) مأخوذ من بيت أبي تمّام : مكارم لجّت في علوّ كأنما تحاول ثأرا عند بعض الكواكب