أحمد بن علي القلقشندي
338
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إذا بدا في أفق مقلعا والجوّ كالماء تفاويفه : حسبته في لجّة مركبا رجلاه في الأفق مجاديفه ! فصبر له حتّى جازه مجلَّيا ، وعطف عليه مصلَّيا ، فخرّ مضرّجا بدمه ، وسقط مشرفا على عدمه ؛ وطالما أفلت لدى الكواسر من أظفار المنون ، وأصابه القدر بحبّة من حمأ مسنون ؛ فكثر التكبير من أجله ، وحمله على وجه الماء برجله ( 1 ) . وحاذاه غرنوق حكاه في زيّه وقدره ، وامتاز عنه بسواد رأسه وصدره ؛ له ريشتان ممدودتان من رأسه إلى خلفه ، معقودتان من أذنيه مكان شنفه ( 2 ) : له من الكركيّ أوصافه سوى سواد الصّدر والرّاس إن شال رجلا وانبرى قائما ألفيته هيئة برجاس ! فأصغى العاشر له منصتا ، ورماه متلفّتا ؛ فخرّ كأنّه صريع الألحان ، أو نزيف بنت الحان ؛ فأهوى إلى رجله بيده [ وأيده ] ( 3 ) ، وانقضّ عليه انقضاض الكاسر على صيده . وتبعه في المطار ضوع ( 4 ) ، كأنّه من النّضار مصنوع ، تحسبه عاشقا قد مدّ صفحته ، أو بارقا قد بثّ لفحته : طويلة رجلاه مسودّة كأنّما منقاره خنجر مثل عجوز رأسها أشمط جاءت وفي رقبتها معجر ( 5 ) !
--> ( 1 ) في حسن التوسّل : « وحمله راميه من على وجه الأرض برجله » وهي أوضح . ( 2 ) الشّنف : القرط . ( 3 ) الزيادة من حسن التوسّل . وهي لازمة لمناسبة الفاصلة . ( 4 ) وردت في الجزء الثاني « صوغ » وهو خطأ . والضّوع : طائر من طيور الليل كالهامة ، إذا أحسّ بالصباح صدح وصرخ . وفي الأصل سكّن الواو . ولعل ذلك لمناسبة السجع . ( 5 ) المعجر : ثوب تلفه المرأة على استدارة رأسها ثم تجلبب فوقه بجلبابها .