أحمد بن علي القلقشندي
325
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وكبت عداه ، وأعلى معاليه ، وشكر مساعيه ، وأطال حياته ، وأطاب ذاته - أن يسلك تلك المسالك ، ويريض نفسه الكريمة بذلك ، ويتحيّل على تحصيل اللذات بالتّحوّل ، عملا بقول الشاعر : تنقّل فلذّات الهوى في التّنقّل ! وعمد إلى تحصيل آلاته ، سائرا كالبدر في هالاته ، فسار مع سرايا كالنّجوم ، يتفاكهون في الحديث بالمنثور والمنظوم ، ويخلطون جدّ القول بهزله ، كلَّما خلط لهم طلّ الجود بوبله ، وانحدروا في النّيل بجمعهم الصحيح ، وقصدوا المرامي العالية ولم يقنعوا من الأيام بالرّيح ، وظلَّوا يسيرون في تلك المراكب ، التي كأنها قطع السّحائب . هذا وهم يتشوّفون إلى المصايد ، ويشرفون إلى الشّوارد ، فيطلعون أحيانا إلى البرّ متفرّجين ، وبطيب ذلك النسيم متأرّجين : نسيم قد سرى فيهم بنشر فأذكرهم بمسراه السّريّا ! كرامته استقرّت حين وافى له نفس يعيد الميت حيّا ! ويجتنون من الغصن الزّاهي قدّا ، ويجتلون من الورد الزّاهر خدّا ، ويتأمّلون ضحك الأرض من بكاء السماء ، وشماخة القضب عند خرير الماء ؛ لا تذوق أجفانهم طعم الكرى ، ولا يميلون عن السّير ولا يملَّون السّرى ؛ ما منهم إلا من إذا رأى الطَّير جائشا ، عاد من وقته له حائشا ؛ بينما هم يسيرون متفرّقين ، حتّى إذا لاح لهم طير تداعوا إليه غير مقصّرين والتفّوا محلَّقين ؛ ولم يزالوا كذلك ينهمون العيش ، بالدّعة والطَّيش ؛ حتّى إذا أقبل اليوم المبارك الثامن والعشرون من جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة ، وهو اليوم الذي عزم فيه الجناب الصّلاحيّ على الاصطياد ، بالبنادق الحداد ، فتباشرت به الطَّيور ، وسدّت بأجنحتها الثّغور ، وسهل عندها فيه نزول الرئيس ، فجادت له بالنّفيس ، وخرجت من قشرها ، وسمحت عند مدّ القوس بحزّ