أحمد بن علي القلقشندي
319
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
والنّظام ، فأقول : مسلَّم أنّ كلّ ما أوردته درر وجواهر ، وعقود كزهر الرّبيع عيون وجوهها النواضر نواظر ، ولكنّها هاهنا أمثل ، وجمع شملها على هذي العروس أجمل : وفي عنق الحسناء يستحسن العقد ! وعلى الجملة فيرجع المملوك إلى التّواضع وهو الأليق بالأدب ، فيقول : لا عيب على الفقيرة إذا تجمّلت بحليّ الغنيّة ، ولا عار على الجوهريّ إذا نظم سلكا كانت درره على الطَّرق مرميّة ؛ ونرجع إلى ما ولَّده الفكر من عجب البحر ، وما ظهر من دفع الملوك لأمثالها عن جريها إلى غاياتها بصور القمر ، فأقول : إنما قالت الأدباء ذلك لما جرى من جور النّيل على الأرض ، ولما عمّ الناس من الإرجاف بطول أذاه وهرجه فكأنّما هم في يوم العرض ؛ وكلّ ذلك وما وصل إلى هذا الارتفاع ، وربّما كان أنقص من هذه الزيادة بقريب الذّراع . وعلى هذا القياس إنّما دفع ضرره ، وجمّل في البلاد أثره ، وحسّن في السّماء خبره وفي الأرض مخبره ، السّريّ الذي اهتمامه بالمعروف معروف ، وسيف الدّين الذي سهر في مصالح الرّعايا لمّا تنام ملء أجفانها السّيوف ، أتابك العساكر ، والملك الذي هو بالإسلام وله منصور وناصر ؛ حصّن سائر الكوى بالجسور ، وركز على أفواه البحر والخليج الأمراء كما يركز المجاهدون على الثّغور ، وقابل البحر من سطواته بما ليس له به قبل ، وردّ دفعه بكلّ دفع من الرّأي والتّدبير يغني عن البيض والأسل ، وحاربه بجيش عزم إلى أن ولَّى هاربا مع التراع والقناطر ، وجاهده بجند ركزهم على جوانبه لمّا تحقّق أن البحر سلطان جائر ، وحصره بالتّضييق عليه كما تحصر البرك والتراع ، وغلّ يده عن التّصرّف فسقاه الموت كما سقى الناس أنواع النّزاع ؛ فما هو إلا أن تضاءل بنيران سطواته واحترق ، وذلّ خاضعا وكفى به تضرّعا بالأصابع وتوسّلا بالملق ، وأطاع لمّا لم تنجه مجاهرته من تيّاره بالسيوف ولا تحصّنه من داراته بالدّرق .