أحمد بن علي القلقشندي

320

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

على أنه تطاول ليضاهي بأصابعه جود أياديه فقصّر ، وتحسّر فركب خيل خيلائه ليحاكي بأسه فوقع من جسور عجبه وتقطَّر ، وسمت نفسه كبرا لأن يبلغ قدره فقيل : يا بحر هذا خليفة اللَّه في أرضه واللَّه أكبر ؛ نعم : رأى البحر الخضمّ نداه طام يفيض على الورى منه بحار فصار البحر ملتطما وأضحى على الحالين ليس له قرار ! فلو زدت في أيّام غيره من الملوك المترفين ، وفيمن يؤثر ملاذّ نفسه على مصالح المسلمين ، كنت أيّها الملك بلغت قصدك ، وفعلت في أبناء مصرك جهدك ، وكنت من الملوك الَّذين إذا دخلوا قرية انتعلوا فيها الأهلَّة ، وأفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلَّة ؛ لكن هبّ قبولك إدبارا ، ولاقت ريحك إعصارا ؛ فليس لك به قبل ، « والسّيل أدرى بالجبل » ؛ فما لك سبيل إلى بلاده ، ولا طاقة بإياب الخير على عناده ؛ فإنه خادم الحرمين ، والمدعوّ له حتّى في مواقف الحرب بين العلمين ؛ حامي السّواحل والثّغور ، والمخدوم بأيادي السّحائب وأصابع البحور ، وإن كنت يا أبا خالد أبا جعفر فلست بمنصور ؛ والرّأي أن تقف مستغفرا ، وتقول معتذرا ؛ لم أفرط بالزيادة في أيامه ، ولم أفض على طرف الميدان إلا لأفوز بتقبيل آثار جوادّ خيله ومواطيء أقدامه ، ونتّبع نواهيه ونمتثل أوامره ، وندعو له كالرّعايا بطول البقاء في الدّنيا وحسن الثواب في الآخرة . ونحن نسأل اللَّه كما بلَّغ بك المنافع ، أن يرينا كوكب نؤئك عن قريب راجع ؛ وكما أغنى بزيادتك عن الاستسقاء ، لا يحوجنا في نقصك إلى الاستضحاء ، إنه سميع مجيب الدّعاء ، بمنّه وكرمه .