أحمد بن علي القلقشندي

316

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

قلت : فالرّوضة ؟ قال : أحاط بها إحاطة الكمام بزهره ، والكأس بحباب خمره : فكأنّها فيه بساط أخضر وكأنّه فيها طراز مذهب ! فلم يكن لها بدفع أصابعه يدان ، وكم أنشد مرجها حين مرج البحرين يلتقيان : أعينيّ كفّا عن فؤادي فإنّه من البغي سعي اثنين في قتل واحد قلت : فدار النّحاس ( 1 ) ؟ قال : أنحس حالها ، وأفسد ما عليها وما لها ، فدخل من حمّامها الطَّهر ، وقطع الطريق بالجامع الظَّهر ؛ فألحق مجاز بابه بالحقيقة ، ورقي منه على درجتين في دقيقة ؛ كم اغترف ما جاوره من الغرف غرفا ، وأطلق من مائه الأحمر النّار بموردة الخلفا . قلت : فالخليج الحاكميّ ( 2 ) ؟ قال : خرج عسكر موجه بعد الكسر على حميّة ، ومرق من قسيّ قناطره مروق السّهم من الرّميّة . قلت : فالمنشاة ( 3 ) ؟ قال : أصبحت للبحر مقرّة ، بعد أن كانت للعيون قرّة ، وقيل لمنشئها : أنّى يحيي هذه اللَّه بعد موتها قال : يحييها الذي أنشأها

--> ( 1 ) قال ابن دقماق في الانتصار : 4 / 6 « هذه الدار اختطها وردان الرومي ، مولى عمرو بن العاص . ثم جعلها مسلمة بن مخلَّد ، أمير مصر ، ديوانا وعوّض وردان منها الدار المعروفة باسمه . ( 2 ) كان هذا الخليج يعرف أولا بخليج مصر ، فلما أنشأ جوهر القاهرة بجانبه صار يعرف بخليج القاهرة ، وكان يقال له أيضا خليج أمير المؤمنين - يعني عمر بن الخطاب - قال المقريزي : « والآن تسميه العامة بالخليج الحاكميّ ، وتزعم أن الحاكم بأمر اللَّه احتفره ، وليس هذا بصحيح ، فقد كان هذا الخليج قبل الحاكم بمدد متطاولة . ومن العامة من يسميه خليج اللؤلؤة أيضا » - خطط : 2 / 139 - 140 . ( 3 ) أي المنشأة : وفيها مخازن التبن وسائر أنواع العلف . وكان في القاهرة عدة أماكن بهذا الاسم ، لعل أشهرها « منشأة ابن ثعلب » بالقرب من باب اللَّوق ، وتعرف أيضا بالمنشأة الجوّانية . ( انظر خطط المقريزي . 2 / 114 وما بعدها : ذكر الأحكار التي في غربي الخليج ) .