أحمد بن علي القلقشندي

317

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أوّل مرّة ؛ قد مال على ما فيها من شون الغلال كلّ الميل ، وتركها تتلو بفمها الذي شفتاه مصراعا بابها : * ( يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ ) * ( 1 ) . قلت : فجزيرة أروى ( 2 ) ؟ قال : قد أفسد جلّ ثمارها ، وأتى على مغانيها فلم يدع شيئا من رديّها وخيارها ؛ أخلق ديباجة روضها الأنف ، وترك قلقاسها في الجروف على شفا جرف : بعيني رأيت الماء يوما وقد جرى على رأسه من شاهق فتكسّرا ! طالما تضرّع بأصابعه إلى ربّه ، ولطم برؤوسه الحيطان مما جرى من الماء على قلبه ، وتمثّل بقول الأوّل : وإن سألوك عن قلبي وما قاسى فقل : قاسى ، وقل : قاسى وقل : قاسى ، لم يفده تحصّنه من ورقه بالدّرق والسّتائر ، ولا حنّ عليه حين تضرّع بأصابعه فصحّ أن الماء سلطان جائر . قلت : فحكر ابن الأثير ( 3 ) ؟ قال : لم يبق منه غير الثّلث والثلث كثير ؛ قد أخمل من دوره خمائلها ، وجعل عاليها سافلها ؛ فكم دار أعدم صاحبها قراره ، ونادى في عرصاتها المتداعية : إيّاك أعني فاسمعي يا جارة ؛ فأصبحت بعد نفعها قليلة الجدا ، مستولية عليها يد الرّدى ، شبيهة بدار الدّنيا لأنها دار متى أضحكت في يومها أبكت غدا . قلت : فبولاق ؟ قال : إملاق ، قد التفّت بها من الزّلق السّاق بالسّاق ،

--> ( 1 ) يوسف / 63 . ( 2 ) وكانت تعرف أيضا بالجزيرة الوسطى لأنها فيما بين الروضة وبولاق وفيما بين القاهرة وبرّ الجيزة لم ينحسر عنها الماء إلا بعد سنة سبعمائة . قال المقريزي : فإذا كانت أيام زيادة ماء النيل أحاط الماء بها ، وفي بعض السنين يركبها الماء فتمر المراكب بين دورها وفي أزقتها . ثم اتصلت فيما بعد بالبر الشرقي ( خطط : 2 / 186 ) . ( 3 ) وهو الجانب الغربي من خليج فم الخور . وكان يعرف أيضا بسويقة الموفّق ، وموردة الملح ، وساحل بولاق . وقد عمر بعد سنة سبعمائة . ( خطط المقريزي : 2 / 117 ) .