أحمد بن علي القلقشندي

315

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

تزايد دفعه ، وأدّى إلى الضّرر نفعه ، فقال : خذ العفو ، ولا تكدّر بذكر النّيل الصّفو ؛ فقد امتزج بالمعصرات ثجّاجه ، وأعيى طبيب الغيطان علاجه : وشرّق حتّى ليس للشّرق مشرق وغرّب حتّى ليس للغرب مغرب ! قلت : فما فعل النّغير ( 1 ) ، بجزيرة الطَّير ، قال : لم يبق بها هاتف يبشّر بالصّباح ، ولا ساع يسعى برجل ولا طائر يطير بجناح ، إلا اتخذ نفقا في الأرض أو سلَّما في السّماء ، أو أوى إلى جبل يعصمه من الماء ، فأذاق بها الحمام الحمام في المروج ، وترك أرضها كسماء ما لها من فروج ، وتلا على الحمام : * ( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ ) * ( 2 ) . وكم في سماء مائها من نسر واقع ، وبومة تصفّر على ديارها البلاقع : ومنهل فيه الغراب ميت سقيت منه القوم واستقيت ! قلت : فمصر ؟ قال : زحف عليها بعسكره الجرّار ، ونفط مائه الطَّيّار . قلت : فالجيزة ؟ قال : طغى الماء حتّى علا على قناطرها وتجسّر ، ووقع بها القصب من قامته حين علا عليه الماء وتكسّر ، فأصبح بعد اخضرار بزّته شاحب الإهاب ، ناصل الخضاب ، غارقا في قعر بحر يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ( 3 ) ، وقطع طريق زاويتها على من بها من المنقطعين والفقراء ، وترك الطَّالح كالصّالح يمشي على الماء ، فتنادوا مصبحين ، ألَّا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين ، وأدركهم الغرق فأيسوا من الخلاص ، وغشيهم من اليمّ ما غشيهم ولات حين مناص ، وخرّ عليهم السّقف من فوقهم فهدّت قواهم ، واستغاثوا من كثرة الماء بالذين آمنوا وعملوا الصّالحات وقليل ما هم .

--> ( 1 ) النغير : فرخ العصفور ، تصغير النّغر . ( 2 ) النساء / 78 . ( 3 ) مأخوذ من الآية الكريمة : « أو كظلمات في بحر لجّيّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب » - النور / 40 .