أحمد بن علي القلقشندي

314

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الوفاء ولكن كم حياة في الأرض لمن ينادي ، وتمّت أصابع الزيادة ونمت حتّى قال الناس : ما ذي أصابع ذي أيادي . هذا وقد قرنت زرابيّ الدّور المثوثة بالنّمارق ( 1 ) ، وقال المقياس : تغطَّت منها الدّرج فنال الرّجاء وظهرت الدّقائق ؛ فهو جمّ المنافع ، عذب المنابع ، يشار في الحقيقة والمجاز إليه بالأصابع . فأعاده اللَّه إلى ذلك النّفع المعهود ، وأرانا منه الأمان من الطَّوفان إلى أن نرد الحوض المورود ، وكفى أهل مصر هذه المصيبة التي إذا أصابتهم قالوا : إنّا للَّه وإنا إليه راجعون ، ولا ابتلاهم بمثل ما ابتلى به قوما جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم فإنّما يستغشي ثيابه منهم الفقراء في المطر ويجعل أصابعه في آذانه منهم المؤذّنون ؛ اللَّهمّ إنك وليّ النّعمة ، وأولى برحمة خلقك من فيض هذه الرّحمة » . وما قاله صاحبنا الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة ( 2 ) الذي كان أغرب من زرقاء اليمامة ، وأعجب إذا ركب بغلته وزرزوره من أبي دلامة ، الأديب الذي كان حجّة العرب ، والناثر الذي كان بنسبته إلى الطَّيور محرّك المناطق وإلى الشّعر صنّاجة الأدب ، والنّاظم الذي كان إذا أنشد مقاطيعه في التّشبيب فاق على المواصيل ذوات الطَّرب ، والصّديق الذي كانت منه عوائد الوفاء مألوفة ، وشيخ الصّوفيّة الذي لا عجب إذا كانت له المقامات الموصوفة ، أسكنه اللَّه فسيح الجنان ، وخصّ ذلك الوجه الجميل بالعارض الهتّان ، من مقامته الزّعفرانيّة عن أبي الرّياش : « فاعتنقته لدى السّلام ، وقلت : ما وراءك يا عصام ؛ فقد بلغنا أن النّيل

--> ( 1 ) جمع نمرق ونمرقة ؛ وهي الوسادة الصغيرة يتّكأ عليها . ( 2 ) هو أحمد بن يحيى بن أبي بكر التلمساني المتوفى سنة 776 ه . عالم بالأدب ، شاعر ، من أهل تلمسان . سكن دمشق ، وولي مشيخة الصوفية بصهريج منجك - بظاهر القاهرة - ومات فيها . ( الأعلام : 1 / 268 ) .