أحمد بن علي القلقشندي

313

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فلم يترك وعدا بل وعيدا إلا وفّاه ، ولا وهدا بل جبلا إلا أخفاه ؛ أقبل كالأسد الهصور إذا احتدّ واضطَّرم ، وجاء من سنّ الجنادل فتحدّر وعلا حتى بلغ أقصى الهرم ، وعامل البلاد بالحيلاء وكيف لا ؟ وهو سلطان جائر أيّد بالنّصر ، قائلا : إن كنت بليت بالاحتراق في أرضكم فأنا أفيض بأن أرمي من بروق تيّاري بشرر كالقصر . هذا وطالما قابلنا قبلها بوجه جميل ، وسمعنا عنه كلّ خبر خير ثابت ويزيد كما قال « جميل » ، وكلّ بديع من آثار جود يصبغ الثّرى فيخضرّ بخلاف المشهور عن صبغة اللَّيل ، وطالما خصصناه بدعاء فكانت الراحة به كمقياسه ذات بسطة ، وكمنازل الخصب بقدومه المبارك ذات غبطة ، ومنحناه بولاء وثناء هذا يدور من الإخلاص بفلك وهذا يعذب من البحار بنقطة ؛ كم ورد إلى البلاد ضيفا ومعه القرى ، وكم أتى مرسلا بمعجز آيات الخصب إلى أهل القرى ؛ فهو جواد قد خلع الرّسن ، ساهر في مصالح الخلق وقد ملأ الأمن أجفانهم بالوسن ، جامع لأهل مصر من سقياه ومرعاه ووجهه بين الماء والخضرة والوجه الحسن ؛ كم بات سير مقياسه يشمل بظلَّه الغائبين والحاضرين ، وكم رفع على الوفاء راية صفراء فاقع لونها تسرّ النّاظرين ، وبلغ وبلَّغ بخرير التّيّار سلامه ، وبات الناس بوفائه من حذار الغلاء تحت السّتر والسّلامة ، وخلَّق صدر العمود ( 1 ) وكيف لا يخلَّق بشير العباد والبلاد ، ودعا مصر لأخذ زخرفها فسواء قيل : ذات العمود أو ذات العماد ، وبسط يده ببركة الماء فقيل : سلام لك من أصحاب اليمين ، وخضّب بنانه وأقسم بحصول الخير فقيل لمخضوب البنان يمين ، وأشار إلى وصول المدّ المتتابع ، وقبض يده المخلَّقة على الماء فوفت وما خابت فروج الأصابع ، ونادى رائد

--> ( 1 ) أي عمود المقياس . وحول تخليق المقياس ، راجع الجزء الثالث من هذا الكتاب ص 512 - 513 .