أحمد بن علي القلقشندي
312
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الشّعر المشهورة بالفسطاط ؛ فما أطيب مدائحه النّبويّة التي جعلها سورا بينه وبين النار ، وما أعجب رثاءه : جعل اللَّه قبره بالرحمة كالرّوض غبّ القطار ! ! ! : يا نيل يا ملك الأنهار قد شربت منك البرايا شرابا طيّبا وعذا وقد دخلت القرى تبغي منافعها فعمّها بعد فرط النّفع منك أذى فقال : يذكر عنّي أنّني ملك وتعتدي ناسيا : إنّ الملوك إذا ( 1 ) ! وما قاله شيخنا الشّيخ جمال الدين بن نباتة ( 2 ) الذي أطاعته من الآداب جوانح نظمها ونثرها ، وسخّرت له بحور الشّعر فقالت له الآداب : اختر من درّها ؛ فسبحان من يسّر له ممتنع الكلام وهوّنه ، وجعله من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ؛ فما أشفّ دقيق فكره الجليل ، وما أكثر ما يضحك زهر تقاطيعه على زهر مقطَّعات النّيل ؛ فما كان إلا مخصوصا في الأدب ببحور الهبات ، وكلامه في العذوبة والبلاغة يزري بالفرات وابن الفرات ( 3 ) ؛ وإن قيل أيّ أصدق كلمة قالها شاعر بعد لبيد ، يقال قول ابن نباتة : فلا عجب للفظي حين يحلو فهذا الفطر من ذاك النّبات ! وأما النّيل فقد استوى على الأرض فثبتت فيها قدمه ، وامتدّ نصل تيّاره كالسّيف الصّقيل فقتل الإقليم وهذا الاحمرار إنّما هو دمه : حمرتها من دماء ما قتلت والدّم في النّصل شاهد عجب !
--> ( 1 ) المراد : إذا دخلوا قرية أفسدوها . ( 2 ) هو محمد بن محمد بن محمد الفارقي المتوفى سنة 768 ه : شاعر عصره وأحد الكتاب المترسلين العلماء بالأدب . ( الأعلام : 7 / 38 والوافي بالوفيات : 1 / 311 ودائرة المعارف الإسلامية : 1 / 402 ) . ( 3 ) هو ابن الفرات الكاتب ، أحمد بن محمد بن موسى المتوفى سنة 291 ه . من أكتب أهل زمانه . ( الأعلام : 1 / 206 ) .