أحمد بن علي القلقشندي

292

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ولاح سهيل من بعيد كأنّه شهاب ينحّيه عن الريح قابس ! وانبرى نسيم السّحر عليلا ، وجرّ على أعطاف الأزهار ذيلا بليلا ، وروى أحاديث الرّياض بلسان نشره ، مذيعا لأسرار خزاماه وزهره ، وغرّدت خطباء الطَّير على منابر الأغصان ، واستنبطت من قلوب المحبّين دفائن الأشجان ، وحثّ داعي الفلاح ، طائفة التّقى والصّلاح ، على أن تؤدّي فرضها ونفلها ، وترتقي بخضوعها بين يدي مولاها درجات السّعادة التي كانت أحقّ بها وأهلها ، وهتف بشير النّجح بمن أحيا ليلته لما تمزّق قميص اللَّيل وانفرى : « عند الصّباح يحمد القوم السّرى » . فبينا أنا أتفكَّر في أنّ جملة ما عاينته سيصبح زائلا ، وعن تلك الصّبغة العجيبة حائلا ، وأتدبّر : * ( ويَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ) * ( 1 ) إذ أهدت إليّ الأيام إحدى طرفها وغرائبها ، وكبرى أوابدها وعجائبها ، فطرق سمعي من الشّبّاك نبأة ، وتلتها وجبة تتبعها وثبة ، فاستعذت من كيد الشّيطان المريد ، وقلت : أسعد أم سعيد ؛ وإذا بنمس قد فارق وجاره إلى وجاري ، واختارني على الصّحراء جارا فارتضيته لجواري ، فولج مستأنسا ، ومرح بين يديّ آنسا ، وأراني أحد كتفيه في الاسترسال ليّنا والآخر بالتّمنّع شامسا ، فمدّ له الحرص على جوره حبائل مكره وشباكه ، ويد الغبش تحول دون قنصه وإمساكه ، وبقايا الظَّلام تقضي بتمنّعه ، وتصدّ عن جعله من الوثاق في موضعه ، وأنا ملازمه ملازمة المعسر لربّ الدّين ، حتى يتبيّن الصّبح لذي عينين . فلما خشيت على صلاتي الفوت عدلت إلى تأدية فرضها ، وتوجيهها بين يدي موجبها وعرضها ؛ فلما انفتلت من مصلَّاي ، وانصرفت عن مناجاة مولاي ، برقت لي بارقة ، خيّل إليّ أنها صاعقة ، فقلت : أذرّ قرن الغزالة ؟ وإلا فلات حين

--> ( 1 ) آل عمران / 191 .