أحمد بن علي القلقشندي

293

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ذبالة ؛ فقيل : إنّ الغلام نظر إليه شزرا ، وهزّ له المهنّد فشقّ له من الظَّلماء فجرا ، وأبدى له وجها مكفهرّا ، ورام أن يمطيه من المنيّة مركبا وعرا ، كأنّه قد لاقى أسدا هزبرا ، وأترع له كأس الحمام بالوافي ، ورماه بثالثة الأثافي ، فعطفت عليه باللَّائمة منكرا لجهله ، وهتفت به زاجرا عن قبح فعله ، ثم عذرته : « ومن لك بأخيك كلَّه » ؛ وقلت له : ماذا تراك تصنع لو لاقيت أسدا أغلبا ؟ ، لقد خلت أنّك ترتدّ - وإن كنت وليدا - أشيبا ؛ أمن هذا بادرت إلى السّيف مخترطا ؟ ، « إنّك لأجبن من المنزوف ضرطا » ( 1 ) لقد أظهرت من الفشل ما جاوز قدر الحدّ ، ووضعت المزاح في محلّ الجدّ وقابلت الأسهل بالأشدّ ؛ فسحقا لك وبعدا ، لقد قدح مرجّيك بعدها زنادا صلدا ، واستنبع الماء جلمدا جلدا . فصوّب طرفه فيّ وهتف مناديا ، وأظهر وفاء أزرى بالسّموءل بن عاديا : أنج هربا ولا إخالك ناجيا ؛ إنّي رميت من الخطوب بأصعبها ، ولا ينبّئك بالحروب كمجرّبها ، والغاصّ باللَّقمة أخبر بها ؛ فلقد أوطأني ما لا أستقيل منه العثرة ، وما لاقيت في حرب كهذه المرّة ، والعوان لا تعلَّم الخمرة ( 2 ) لقد صرّح لي بالشّرّ ولم يجمجم ، وكشر عن أنيابه غير متبسّم ، و « حسبك من شرّ سماعه » و « است البائن أعلم » ( 3 ) ، تاللَّه إنّه لأجرأ من خاصي الأسد ، ولئن سبرته لتعلمنّ ما بين الذّئب والتّقد ؛ ولقد رضيت نفسي من الغنيمة أن تؤوب بذمائها ( 4 ) ، لما تشبّث بخنصري فخضبها بدمائها ،

--> ( 1 ) قيل هو رجل كان يتبجّج بالشجاعة ، فأرادت النساء تجربته ، فأيقظنه ذات غداة وقلن : هذه نواصي الخيل ، فجعل يقول : الخيل الخيل : ويضرط حتى نزف روحه ومات . ( جمهرة الأمثال : 1 / 324 ) . ( 2 ) يضرب مثلا للعالم بالأمر المجرّب له . والعوان : الثيّب ، والخمرة : الاختمار . فهي عالمة بالاختمار لا حاجة بها إلى تعلَّمه ( جمهرة الأمثال : 2 / 38 ) . ( 3 ) يضرب مثلا للرجل يفعل الفعل على علم ، ويأتي الأمر على بصيرة . وفي ذلك قصة طويلة - انظر جمهرة الأمثال : 1 / 138 . ( 4 ) أي بمشقّتها .