أحمد بن علي القلقشندي

279

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أن تكون مجازاة على مدحهم ، فأين الكرام وفضلهم ، والمنصفون وعدلهم ؟ ، أو ظنّا أنّي عرّضت بهم فيمن عرّضت ، فأين ذكاء الألبّاء وأين عقلهم ؟ وهل تظنّ السّماء أن يدا تصل إليها ، والنّجوم أن خلقا تحكم عليها ؟ والذّهب محروس لا يصدا جرمه ، والجوهر معروف لا يجهل حكمه ؛ ومن الذي تحدّثه نفسه أن يجحد الشّمس فضلها الطَّائل ، أو يحسّن له عقله أن يقول : سحبان وائل كباقل ( 1 ) ؟ ؛ [ فقلت ] ( 2 ) أدركني ذلك اليوم ولمّا أمزّق ، وأنجدني بكلّ لفظة هي أمضى من السّهم وأرشق ، وأضوء من النّجم وأشرق ؛ وما أعرف كيف صبري على هذا الحرب في صورة السّلم ؟ وما أظنّه أراد إلا أن يعلَّم قلبي الذي في يده الحكم ، كما علمه للقلم ؛ وحيث قضى الحديث ما قضى ، ومضى الوقت وما كان إلا سيفا في عرض العبد مضى : فكرّت تبتغيه فصادفته على دمه ومصرعه السّباعا فأنا أنشد اللَّه تعالى هؤلاء السادة الغائبين ، أو القوم العاتبين ، هل يعرفون أنّ الذي عرّضت به منهم قوم قد استولى عليهم العيّ بجريضه ( 3 ) ، ونزل فيهم الجهاد بقضّه وقضيضه ، وأصبح بابهم لهم كبستان بلا ثمار ، وديوانهم على رأي أبي العلاء كديوان أبي مهيار ؛ لا يحسن أحدهم في الكتابة غير العمامة المدرّجة ، والعذبة المعوّجة ، والعباءة الضّيّقة والأثواب المفرّجة ، ويتناول السلم باليمين وكتابه إن شاء اللَّه تعالى بالشمال ، ومشى هذا على هذا ولكن على الضّلال ؛ لو سئل أحدهم عن « البديع » في الكتابة لم يعرف من السؤال غير التّرديد ، وعن « عبد الحميد » لزاد في الفكر ونقص : وعبد الحميد عبد الحميد ، و « الصّاحب » لقال : إنه تبرقع بمجلسي ، و

--> ( 1 ) سحبان وائل يضرب به المثل في الفصاحة ، وبأقل مضرب المثل في العيّ . ( 2 ) بياض في الأصل بمقدار كلمة . ( 3 ) الجريض : الغصة ، واختلاف الفكين عند الموت . وفي المثل : حال الجريض دون القريض .