أحمد بن علي القلقشندي
278
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أأنت التي من غير سوء شتمتني ؟ فقالت : متى ذا ؟ قال : ذا عام أوّل فقالت : ولدت الآن بل رمت غدرة فدونك كلني لا هنالك مأكل ! وحلّ هذا المترجم ، وتحقيق هذا الظَّنّ المرجّم ، أنه بلغني أن جماعة من الذين استفتيتهم استنباطا لفوائدهم ، والتقاطا لفرائدهم ، لا تكليفا لهم فيما لا يقوم به إلَّا الأقوى من الأقوام ، ولا يستنجد به في هذا الوقت إلا بأرباب صفحات السّيوف لا أرباب قصبات الأقلام ، أرادوا الغضّ منّي ، ونفي الإحسان عنّي ؛ وهيهات ! أنا أبو النّجم وشعري شعري هأنا وبضاعتي ، وهذه يدي لا أنّي ألقيت بها إلى السّلم ولكن لأعرض صناعتي : هو الحمى ومغانيه مغانيه وإنهم اجتمعوا بالميدان على حديثي ، وذكروا قديمي وحديثي ، وتسابقوا في الغيبة أفراس رهان ، وأعجب كلَّا منهم أن يقول : هذه الشّقراء في يدي وهذا الميدان ؛ ولاموا وعذلوا ، وهمّوا بالسّبّ وفعلوا ، واستطابوا لحم أخيهم فسلقوه بألسنة حداد وأكلوا ، حتى تعدّى ذلك إلى من جاد عليّ بالجواب ، وفعله إمّا جزاء للمدح وإمّا للثّواب : فقلت لها عيثي جعار ( 1 ) وجرّري بلحم امريء لم يشهد اليوم ناصره ! وما كان المليح أن يغري بي من سبق مدحه إليّ ، ومن انتصر بعزّه لنفسه فما انتصر لديّ « وهذا لعمري جهد من لاله جهد » وما تخلو هذه الأفعال : إمّا
--> ( 1 ) جعار : الضبع لكثرة جعرها . وفي المثل : « روغي جعار وانظري أين المفرّ » يضرب لمن يريد أن يفلت ولا يقدر على ذلك ؛ أو للجبان يفزع فيستكين ويخضع . ( لسان العرب : مادة « جعر » - وجمهرة الأمثال : 1 / 488 ) .