أحمد بن علي القلقشندي

277

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وحرس اللَّه سيّدنا شهاب زمانهم ، كما حرس به سماء ديوانهم ؛ فلقد أسمعنى من الشّكر ما أربى على الأرب ، وجعلني كحاجب ( 1 ) حين دخل على كسرى وهو واحد من العرب خرج وهو سيّد العرب ، وهدتني أنواره وأنا أخبط من ليل القريحة في عشواء ، وجادت عليّ أنواؤه وناهيك بتلك الأنوار من الأنواء ، ورفعتني ألفاظه ولكن على السّماك برغم حسودي العوّاء ؛ وهذه قصائده فيّ تتدارسها ألسنة الأقلام ، وتكتب بأنقاس اللَّيالي على صفحات الأيّام ؛ من كلّ بيت هو بيت مال لا ينقصه الإنفاق ، ولولا التّقى لقلت : إنّه البيت الذي أمر اللَّه تعالى بحجّه الرّفاق من الآفاق ؛ فمتى أتفرّغ لطلب مدحه ، وقد شغلني بمنحه ؟ ومتى أجاريه بامتداح وإنما مدحي له من فوائد مدحه : وما هو إلَّا من نداه وإنّما معاليه تمليني الذي أنا كاتبه ! أم أتعجّب ممن ثنيت عنان الثّناء إليه ، وجلوت عرائس المدائح عليه ، وعاديت في تنضيد أو صافه الكرى ، وأنضيت بالقلم له في نهار الطَّرس وليل النّقس من السّير والسّرى ، ومدحته بملء فيّ واجتهدت في وصفه وكان سواء علىّ أن أجهدت ، في وصفه أو اجتهدت ، فجازاني مجازاة السّنمّار ( 2 ) ، وأوقعني من عنت عتبه في النّار ، وجعل محاسني التي أدلي بها ذنوبا فكيف يكون الاعتذار ؟ : وكان كذئب السّوء إذ قال مرّة لعمروسة ( 3 ) والذّئب غرثان مرمل :

--> ( 1 ) هو حاجب بن زرارة الذي رهن قوسه عند كسرى . ( 2 ) هو رجل من الروم ، بنى قصر الخورنق للملك النعمان الأكبر ابن امريء القيس اللخمي الملقب بالمحرّق في مدة عشرين سنة ؛ فلما فرغ من بنائه ألقاه الملك المذكور من أعلاه فقتله لئلا يبني مثله لغيره ، فضربت العرب بذلك المثل ، فقالوا : جزاه جزاء سنمّار . ( بلوغ الأرب : 1 / 213 - 214 ) . ( 3 ) العمروس : الخروف .