أحمد بن علي القلقشندي
268
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وسيمها ، شريف النّفس كريمها ، آخذ بالفضائل من جميع جهاتها ، مستوف للممادح بسائر صفاتها ؛ فطائري ميمون ، وغولي مأمون ، وعطائي غير ممنون ؛ أصل وتقطع ، وأعطي وتمنع ، وتفرّق وأجمع ؛ وإنّ ازدراءك بي من الكبر المنهيّ عنه ، وغضّك عنّي من العجب المستعاذ منه ؛ ومن حقّر شيئا قتله ، ومن استهان بفاضل فضله ؛ وإنّي وإن صغر جرمي فإني لكبير الفعال ، وإن نحف بدني فإني لشديد البأس عند النّزال ؛ وإن عري جسمي فكم كسوت عاريا ، وإن جرى دمعي فكم أرويت ظاميا ، وإن ضاق ذرعي فإني بسعة المجال مشهور ، وإن قصر باعي فكم أطلقت أسيرا وأنا في سجن الدّواة مأسور ؛ إذا امتطيت طرسي ، وتدرّعت نقسي ، وتقلدت خمسي ، وجاشت على الأعداء نفسي : - رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ضنّى وسمينا خطبه وهو ناحل ! أنسيت إذ أنت في المعدن تراب تداس بالأقدام ؟ وتنسفك الرّياح وتزري بك الأيام ؟ ثم صرت إلى القين ( 1 ) تقعد لك السّنادين بالمراصد ، وتدمغك المقامع وتسطو بك المبارد ؛ ثم لولا صقالك لأذهبك الجرب وأكلك الصّدى ، مع قلَّة صبرك على المطر والنّدى . فقال السّيف : إنّا للَّه ! لقد استأسدت الثّعالب ، واستنسرت البغاث فعدّ العصفور نفسه من طير الواجب ( 2 ) ، وجاء الغراب إلى البازيّ يهدّده ، ورجع ابن آوى على الأسد يشرّده ؛ فلو عرفت قدر نفسك ، ولزمت في السّكينة طريق أبناء جنسك ، ووقفت عندما حدّ لك ، وذكرت عجزك وكسلك ، لكان أجدر بك ، وأحمد لعاقبتك ، وأليق بأدبك . إن الملوك لتعدّني لمهمّاتها ، وتستنجد بي في ملمّاتها ، وتتعالى في
--> ( 1 ) القين هو الحدّاد ، وجمعه : أقيان . وتطلق هذه التسمية على كل صانع . ( 2 ) من الحمام الرسائلي .