أحمد بن علي القلقشندي
269
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
نسبي ، وتتغالى في حسبي ، وتتنافس في قنيتي وتتحاسد ، وتجعلني عرضة لأيمانها فتتعاقد بالحلف عليّ وتتعاهد ، وتدّخرني في خزائنها ادّخار الأعلاق ، وتعدّني أنفس ذخائرها على الإطلاق ، فتكلَّلني الجواهر ، وتحلَّيني العقود فأظهر في أحسن المظاهر ؛ أبرز للشّجعان خدّي الأسيل فأنسيهم الخدود ذوات السّوالف ، وأزهو بقدّي فأسلبهم هيف القدود مع لين المعاطف ، وأوهم الظَّمآن من قرب أن بأنهاري ماء يسيل ، وأخيّل للمقرور من بعد أنّي جذوة نار فيطلبني على المدى الطَّويل ؛ ويخالني متوقّع الغيث برقا لامعا ، ويظنّني الجائز في الشّرق نجما طالعا ؛ فالشّمس من شعاعي في خجل ، واللَّيل من ضوئي في وجل ، وما أسرعت في طلب ثار إلا قيل : « فات ما ذبح » و « سبق السّيف العذل » . فقال القلم : برّق لمن لا عرفك ، وروّج على غير الجوهريّ صدفك ؛ فما أنت من بزّي ولا عطري ، ولست بمساو حدّك القاطع بقلامة ظفري ؛ إنّ برقك لخلَّب ، وإن ريحك لأزيب ( 1 ) ، وإن ماءك لجامد ، وإن نارك لخامد ؛ ومن ادّعى ما ليس له فقد باء بالفجور ، ومن تشبّع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور . ومن قال : إنّ النّجم أكبرها السّهى بغير دليل كذّبته ذكاء ( 2 ) ! أنا جذيلها المحكَّك ، وعذيقها المرجّب ، وكريمها المبجّل وعالمها المهذّب ؛ يختلف حالي في الأفعال السّنية باختلاف الأعراض ، وأمشي مع المقاصد الشريفة بحسب الأغراض ، وأتزيّا بكلّ زيّ جميل ، فأنزل في كلّ حيّ وأسير في كلّ قبيل ؛ فتارة أرى إماما عالما ، وتارة لدرّ الكلام ناثرا وأخرى
--> ( 1 ) الأزيب من الرياح : الجنوب ؛ وهي النّكباء التي تجري بين الجنوب والصّبا ، وهي ريح عاصفة شديدة . والخلَّب من البرق هو الذي لا يمطر سحابه . ( 2 ) السّهى : كوكب صغير خفيّ الضوء في مجموعة بنات نعش الكبرى أو الصغرى . وذكاء : من أسماء الشمس . وابن ذكاء هو الصبح .