أحمد بن علي القلقشندي

266

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الشّرّ يغلق به ، وقادح زند الحرب يحرق بلهبه ؛ أقول بموجب استدلالك ، وأوجب الاعتراض عليك في مقالك : نعم أقسم اللَّه تعالى بالقلم ولست بذلك ، وكان أوّل مخلوق ولست المعنيّ بما هنالك ؛ إنّ ذلك لمعنى يكلّ فهمك عن إدراكه ، ويضلّ نجمك أن يسري في أفلاكه ؛ وأنت وإن ذكرت في التنزيل ، وتمسكت من الامتنان بك في قوله : * ( عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) * بشبهة التّفضيل ؛ فقد حرّم اللَّه تعالى تعلَّم خطَّك على رسوله ، وحرمك من مسّ أنامله الشريفة ما يؤسى على فوته ويسرّ بحصوله ؛ لكنّي قد نلت في هذه الرتبة أسنى المقاصد ، فشهدت معه من الوقائع ما لم تشاهد ، وحلَّاني من كفه شرفا لا يزول حليه أبدا ، وقمت بنصره في كلّ معترك : وسل حنينا وسل بدرا وسل أحدا ! ! ! ؛ ذكر اللَّه تعالى في القرآن الكريم جنسي الذي أنا نوعه الأكبر ، ونبّه على ما فيه من المنافع التي هي من نفعك أعمّ وأشهر ، وما اجتمع فيه من عظيمي الشّدّة والباس ، فقال تقدّست عظمته : * ( وأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيه بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنَّاسِ ) * ( 1 ) . على أنك لو اعتبرت جنسي القصب والحديد ، وعرفت الكليل منهما والجليد ، لتحققت تسلط الحديد عليك قطَّا وبريا ، وتحكَّمه فيك أمرا ونهيا . فقال القلم : فررت من الشريعة وعدلها ، وعوّلت على الطبيعة وجهلها ، فافتخرت بحيفك وعدوانك ، واعتمدت في الفضل على تعدّيك وطغيانك ، فملت إلى الظَّلم الذي هو إليك أقرب ، وغلب عليك طبعك في الجور : و « الطَّبع أغلب » ؛ فلا فتنة إلا وأنت أساسها ، ولا غارة إلا وأنت رأسها ، ولا شرّ إلا وأنت فاتح بابه ، ولا حرب إلا وأنت واصل أسبابه ؛ تؤكَّد مواقع الجفاء ، وتكدّر أوقات الصّفاء ، وتؤثّر القساوة ، وتؤثر العدواة ؛ أما أنا فالحقّ مذهبي ، والصّدق مركبي ، والعدل شيمتي ، وحلية الفضل زينتي ؛ إن حكمت أقسطت ، وإن استحفظت حفظت وما فرّطت ؛ لا أفشي سرّا يريد صاحبه

--> ( 1 ) الحديد / 25 .