أحمد بن علي القلقشندي

252

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فقال « علم الحساب المفتوح » : إنّك وإن دفعت عنا ، وجلبت غنى ، فأموالك الجمّة ، وحواصلك الضّخمة ، محتاجة إلى حسّابي ، غير غنيّة عن كتّابي ؛ أنا جامع الأموال وضابط أصولها ، والمتكفّل بحفظ جملتها وتفصيلها ، مع احتياج كثير من العلوم إليّ في الضّرب والقسمة والإسقاط . قد أخذت من « علم الارتماطيقي » الذي هو أصل علوم الحساب بجوانبه ، وتعلَّقت منه بأسهل طرقه وأقرب مذاهبه ؛ وناهيك بشرف قدري ، ورفعة ذكري ، قول أبي محمد الحريريّ في بعض مقاماته ، منبّها على شرف قلمي وسنيّ حالاته : « ولولا قلم الحسّاب لأودت ثمرة الاكتساب ، ولا تّصل التّغابن إلى يوم الحساب » ( 1 ) . فقال « علم حساب التّخت والميل » : مه ! فما أنت إلا علم العامّة في الأسواق ، تدور بين الكافّة على العموم وتتداول بينهم على الإطلاق ؛ تكاد أن تكون بديهيّا حتّى للأطفال ، وضروريّا للنساء والعبيد في جميع الأحوال ؛ يتّسع عليك مجال الضّرب فتقصر عنه همّتك المقصّرة ، وتتشعّب عليك مدارك القسمة فتأتي بها على التّقريب غير محرّرة ؛ أين أنت من سعة باعي ، وامتداد ذراعي ، وتحرير أوضاعي ؟ ؛ لا يعتمد أهل الهيئة في مساحة الأفلاك والكواكب غير حقائق أموري ، ولا يعوّلون فيها - على سعة فضائها - إلا على صحاحي وكسوري . فقال « علم حساب الخطأين » : مالي ولعلم لا يوصّل إلى المقصود إلا بعد عمل طويل ؟ ويحتاج صاحبه مع زيادة العناء إلى استصحاب تخت وميل ، وقد قيل : كلّ علم لا يدخل مع صاحبه مع الحمّام فجداه قاصر ونفعه قليل ؛ على أنّ غيرك يشاركك فيما أنت فيه ، ويوصل إلى مقصودك بطريق لا يدخله الغلط ولا يعتريه ؛ وإنما الشّأن في استكشاف غامض أو إظهار غريب ،

--> ( 1 ) من المقامة الثانية والعشرين ، وهي « الفراتيّة » .