أحمد بن علي القلقشندي
245
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأتيت من مشكلات القضايا بما ضاقت مطالبه ، وعرّضت نفسك لمغالبة الموت والموت لا شيء يغالبه ، واقتصرت في تشريحك الأعضاء على ذكر منافعها وصفاتها ، وأضربت عما تدلّ عليه بصورها وكيفياتها ؛ أين أنت من إلحاق الابن بالأب بالصّفات المتماثلة ، والحكم بثبوت النّسب بدلائل الأعضاء كما يحكم بالبيّنة العادلة ؟ ؛ فهذه هي الفضيلة التي لا تساوى ، والمنقبة التي لا تعادل ولا تناوى ؛ وكفاك لذلك شاهدا ، وعلى ثبوته في الشّريعة المطهّرة مساعدا ؛ وأنه لا يعتور ذلك معارضة ولا نقض ، استبشار النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بقول مذحج المدلجيّ : « إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض » . فقال « علم قصّ الأثر » ( 1 ) : نعم إنّ شأنك لغريب ، وإنّ اجتهادك لمصيب ؛ غير أنّي أنا أغرب منك شأنا ، وأدقّ في الإدراك معنى ؛ إذ أنت إنما تلحق المحقّق بالمشاهدة بمثله ، وتقيس فرعا على أصل ثم تلحق الفرع بأصله ؛ وأنا فأدرك المؤثّر من الأثر ، وأستدلّ على الغائب بما يظهر من اللَّوائح في الرّمل والمدر ؛ وربّما ميّزت أثر البعير الشّارد من المراتع ، وفرّقت بالنّظر فيه بين الصحيح والظَّالع ( 2 ) ، فأدركت من الأمر الخفيّ ما تدركه أنت من الظَّاهر ، وقضيت على الغائب بما تقضي به على الحاضر . فقال « علم غضون الكفّ والجبهة » : ما الذي أتيت به من الغريب ، أو أظهرته بعلمك من العجيب ؟ ؛ فلو ابتليت بأرض صلبة لوقفت آمالك ، أو محت الرّيح معالم الأثر لبطلت أعمالك ، أو ولج من تقفّي أثره الماء لفات حدسك الصائب ، أو جعل الماشي مقدّم نعله مؤخّره لقلت : إنّ الذّاهب قادم والقادم ذاهب ؛ لكن أنا كاشف الأسرار الخفيّة ، والمستدلّ على لوازم
--> ( 1 ) هو نفسه علم العيافة . ( 2 ) الظالع : الذي يعرج في مشيه .