أحمد بن علي القلقشندي
246
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الإنسان بما ركَّب فيه من الدلائل الخلقيّة ؛ أستخرج من أسارير الجبهة وغضون الكفّ أمورا قد أرشدت الحكمة الإلهيّة إليها ، وجعلت تلك العلامة في الإنسان دلالة عليها . فقال « علم الكتف » : إنه ليس في الاستدلال على الشّيء بلازمه أمر مستغرب ، ولا ما يقال فيه : هذا من ذاك أعجب ، وإنما الشّأن أن يقع الاستدلال على الشّيء بما هو أجنبيّ منه ، وخارج عنه ، كما أستدل أنا بالخطوط الموجودة في كتف الذّبيحة على الحوادث الغريبة ، والأسرار العجيبة ، مما أجرى اللَّه به العادة في ذلك ، وجعله علامة دالة على ما هنالك . فقال « علم خطَّ الرّمل » : لقد علمت أنك لست بمحقّق لما أنت له متوسّم ، ولا واثق بالإصابة فيما أنت عنه تترجم ؛ وغايتك الوقوف مع التجارب ، والرّجوع فيما تحاوله إلى التقارب ، مع ما أنت عليه من الرّفض والإهمال ، وما رميت به من القطيعة وقلَّة الاستعمال ؛ أما أنا ففارس هذا الميدان ، ومالك زمام هذا الشان ؛ فكم من ضمير أبرزته ، وأمر خفيّ أظهرته ، ومكان عيّنته فوافق ، وأمد قدّرته فطابق ؛ على أنه ليس لك أصل ترجع إليه ، ولا دليل تعتمد عليه ؛ فأنا أثبت منك قواعد ، وأوضح عند الاعتبار في الدلالة على المقاصد ؛ فإن عدوت طورك ، أو جزت في الاحتجاج خصمك ، فمداك ، أنه كان نبيّ يخطَّ فمن وافق خطَّه فذاك . فقال « علم تعبير الرّؤيا » ( 1 ) : إنّك وإن أظهرت السّرائر ، وأبرزت الضمائر ، فإنّ أمرك موقوف في حدسك على الدّلالة الحاليّة ، ومقصور في تخمينك على الأمور الاحتمالية ؛ أين أنت منّي حين أعبّر عما شاهدته النفس في النّوم من عالم الغيب ؟ وكيف أكشف عنه الحجب بالتّأويل فيقع كفلق
--> ( 1 ) المراد به تفسير الأحلام .