أحمد بن علي القلقشندي
244
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فتمسي في حجاز وتصبح في أصبهان ؛ وأنت وإن ادّعيت أنك العلم الرّوحانيّ ، والمستولي بتحريك الطبائع الأربع على النّوع الإنسانيّ وغير الإنسانيّ ، فأنت غير مستغن عني ، ولا فنّك في الحقيقة منفكّ عن فنّي ؛ بل قواعدك مرتّبة على قواعدي ، وفوائدك مستفادة من فوائدي ، وأهل صناعتك يتطفّلون في معرفة الملائم والمنافي على ساقط لباب موائدي ؛ وأنّى تنبسط بك الروح مع وجود السّقم ، أو يستريح إليك القلب مع شدّة مقاساة الألم ؟ ؛ بل أنا قوام الأبدان ، وغاية ملاك الإنسان ؛ بي تحفظ صحّة الأجسام ، وتتمكَّن النفس من استكمال قوّتيها النظرية والعملية بواسطة زوال الأسقام وانتفاء الآلام ، مع ما يتّضح بالنظر في التّشريح الذي هو أحد أنواعي من سرّ قوله تعالى : * ( وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) * ( 1 ) ، وما يظهر من حال الصّحة والمرض وسرّ الموت من أنه تعالى بدأ الخلق أوّل مرّة وإليه يحشرون - مع ما يلتحق بي من « علم خواصّ العقاقير » الغريبة ، والأحجار التي تؤثّر بتمزيجها الصّناعيّ التآثير العجيبة ، وتأتي من نوادر الأفعال بالأعمال الغريبة ؛ على أنّي لست بمختصّ في الحقيقة ببدن الإنسان ، ولا قاصر على نوع من أنواع الحيوان ، وإنما أفردت بنوع البشر اهتماما بشأنه ، وتنبيها على جلالة قدره وعلوّ مكانه . ثم ألحق بالإنسان في الاعتناء به الخيول فاشتقّ لها منّي « علم البيطرة » ، وتلاها في الاعتناء جوارح الطيور لاهتمام الملوك بشأنها فاستنبط لها من أجزائي « علم البيزرة » ، وأهمل ما سوى ذلك من جنس الحيوان ، فلم يعتن بأمره ولم يهتمّ له بشأن . فقال علم القيافة ( 2 ) : لقد ارتقيت مرتقى صعبا ، وولجت مولجا صلبا ،
--> ( 1 ) الذاريات / 21 . ( 2 ) ويقسمونها إلى قسمين : قيافة الأثر ، ويقال لها : العيافة ؛ وهي علم يبحث في تتبع آثار الأقدام والأخفاف والحوافر في الطرق القابلة للأثر . وقيافة البشر ، وهي علم يبحث عن كيفية الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصين إلى المشاركة والاتحاد في النسب والولادة وسائر أحوالهما . وقد قيل إن الاستدلال بهذا الوجه مخصوص ببني مدلج من العرب ، وإن حكمة الاختصاص تؤول إلى صيانة النسبة النبوية . ( كشف الظنون : ص 1181 و 1366 ) .