أحمد بن علي القلقشندي
243
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بك ولا معوّل عليك ؛ وكفى بك هضما ، ونقيصة وذمّا ، واستدلالا على دحض حجّتك ، وضعف أدلَّتك ، قول ابن حجّاج : مستفعلن فاعلن فعول مسائل كلَّها فضول قد كان شعر الورى صحيحا من قبل أن يخلق الخليل ! على أنه إن ثبتت لك فائدة ، وعاد منك على الشّعر أو الشّعراء عائدة ، فإنّما تفاعيلك مقدّمة لألحاني ، وأوزانك وسيلة إلى أوزاني ؛ نعم أنا غذاء الأرواح ، وقاعدة عمود الأفراح ، والمتكفّل ببسط النّفوس وقبضها ، والقائم من تعديلها وتقويتها بنفلها وفرضها ؛ أحرّك النّفس عن مبدئها فيحدث لها السّرور وتظهر عنها الشّجاعة والكرم ، وأبعثها إلى مبدئها فيحدث لها الفكر في العواقب وتزايد الهموم والنّدم ؛ فتارة أستعمل في الأفراح وزوال الكروب ، وتارة في علاج المرضى وأخرى في ميادين الحروب ، وآونة في محلّ الأحزان واجتماع المآتم ، ومرّة يستعملني قوم في بيوت العبادات فأبعثهم على طلب الطاعات واجتناب المحارم ؛ وآتي من غريب الألحان ، بما يشبع به الجائع ويروى به الظَّمآن ، ويأنس به المستوحش وينشط به الكسلان ، وتدنو لسماعه السّباع ، ويعنو له بعد الشّدّة الشّجاع ، مع ما يتفرّع عني من « علم الآلات الرّوحانيّة » التي تنعش الأرواح ، وتجلب الأفراح ، وتنفي الأتراح ، وتؤثر في البخيل السّماح ، وتفعل في الألباب ما لا تفعل في اللَّبّات ( 1 ) بيض الصّفاح . فقال « علم الطَّب » : لقد أضعت الزّمان في اللَّهو ، وملت مع الأريحية فماس بك العجب وزاد بك الزّهو ، وداخلك الطَّيش فقنعت بالإطراب ، وعنيت بمعرفة اللَّحن ففاتك الإعراب ؛ تذكَّر العشّاق أحوال النّوى فيسلمها الهوى إلى الهوان ، وتتنقّل في نواحي الإيقاع تنقّل الهائم
--> ( 1 ) اللَّبّة : موضع القلادة من العنق .