أحمد بن علي القلقشندي
238
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المكايد ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أظهر من واضح الحجج الجليّة ما سقط بحجّيّته دعوى المعارض ، وأتى من فصل الخطاب بما أفحم به الخصوم فلم يستطع أشدّهم في البلاغة شكيمة أن يأتي له بمناقض ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين فازوا من جليل المناقب بكل وصف جميل ، واشتهرت في الوجود مفاخرهم فلم يحتج في إثباتها إلى إقامة دليل ، صلاة يتمسّك في دعوى الشّرف بمتين حبلها ، وتتّفق أدلَّة العقل والنّقل على القطع بعلوّ شأنها وتوفّر فضلها . وبعد ، فلما كانت العلوم مشتركة في أصل التّفضيل ، متّفقة الفضل في الجملة وإن تفاوتت في التفصيل ، مسلَّما أصل الشّرف فيها من غير منازع ، مجمعا على أنه لا شيء من العلم من حيث هو علم بضّارّ ولا شيء من الجهل من حيث هو جهل بنافع ، مع اختلافها في التّفاضل باختلاف موضوعاتها ، وتفاوتها في الشّرف بحسب الحاجة إليها أو وثاقة حججها أو نفاسة غاياتها ؛ عطس كلّ منها بأنف شامخ غير مسلَّم للآخر ولا مسالم ، ومدّ إلى العلياء يد المطاولة فتناول الثّريّا قاعدا غير قائم ، وادعى كلّ منها أن بحره الطَّامي ، وفضله النّامي ، وجواده الطَّامح ، وسماكه الرّامح ، زاعما أن حسامه القاطع وعضبه القاضب ، وقدحه المعلَّى وسهمه الصّائب ، ونجمه الساري وشهابه الثّاقب ، وأنّ نشر الثناء على مجامره موقوف ، وخطيب المحامد بمنابره معروف ، وفلك الفضل على قطبه دائر ، وكلّ شرف عليه محبّس وكلّ فخر عليه قاصر ؛ فماس بعطفه ومال ، وبسط في الكلام لسانه فقال وطال . هذا : وإنّها اجتمعت يوما اجتماع معنى لا صورة ، وقامت لها سوق بالبحث معروفة وعلى الجدال مقصورة ، وتفاوضت بلسان الحال وتخاطبت ، وتحاورت في دعوى الشّرف وتجاوبت ، وألمّت بالمنافرة فتنافرت ، وتسابقت في ميدان الافتخار فتفاخرت ، وأخذ كلّ منها في نصرة مذهبه ، وتحقيق مطلبه ، بأنواع الحجج والاستدلالات ، وإقامة البراهين والأمارات ، وما