أحمد بن علي القلقشندي
239
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يتوجّه على ذلك من الأسئلة والاعتراضات . فكان أوّل باديء بدأ منها بالكلام وفتح باب الجدال والخصام ، « علم اللَّغة » فقال : قد علمتم معشر العلوم أنّي أعمّكم نفعا ، وأوسعكم مجالا وأكثركم جمعا ؛ على قطب فلكي تدور الدوائر ، وبواسطتي تدرك المقاصد ويستعلم ما في الضمائر ، وبدلالتي تعلم المعاني المفردات ، ويتميّز ما يدلّ على الذوات مما يدلّ على الأدوات ، وتتبيّن دلالات العامّ والخاص ، ويتعرف ما يرشد إلى الأنواع والأجناس وما يختصّ بالأشخاص ؛ على أن كلَّكم كلّ عليّ ، ومحتاج في ترجمة مقصوده إليّ ؛ فلفظي « المحكم » وأقوالي « الصّحاح » ، وكلامي « الجامع » وسيف لساني « المجرّد » ناهيك من سلاح ، وفضلي « المجمل » لا يحتاج إلى بيان . استأثر اللَّه تعالى بتعليمي لآدم عليه السّلام ، وآثره بي معرفة على الملائكة فكان خصيصة له على الملائكة الكرام . فلما انقضى قيله ، وبانت للمستبين سبيله ، ثاب إليه « علم التّصريف » مبتدرا ، ولنفسه ولسائر العلوم منتصرا ، فقال : رويدك أيّها المساجل ، وعلى رسلك يا ذا المناضل ؛ فقد ذلّ من ليس له ناصر ، وحطَّ قدر من ترفّع على أبناء جنسه ولو عقدت عليه الخناصر ، وما يجدي البازي بغير جناح ، أو يغني السّاعي إلى الحرب بغير سلاح ؛ وأنّى يطعن رمح بغير سنان ، أو يقطع سيف لم يؤيّد بقائم ولم تقبض عليه بنان ؛ إنّك وإن حويت فضلا ، وأعرقت أصلا ، وكنت للكلام نظاما ، وإلى بيان المقاصد إماما ، فأنت غير مستقلّ بنفسك ، ولا قائم برأسك ؛ بل أنا المتكفّل بتأسيس مبانيك ، والملتزم بتحرير ألفاظك وتقرير معانيك ، بي تعرف أصول أبنية الكلمة في جميع أحوالها ، وكيفية التّصرّف في أسمائها وأفعالها ، وما يتّصل بذلك من أحوال الحروف البسيطة وترتيبها ، واختلاف مخارجها ، وبيان تركيبها ، والأصليّ منها والمزيد ، والمهموس والرّخو والشّديد ؛ و . . ( 1 ) تقديره ، والصحيح والمعتلّ
--> ( 1 ) بياض في الأصل .