أحمد بن علي القلقشندي

229

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

قد لبس شرفا لا تطمع الأيام في خلعه ، وتقمّص من الفضل جلبابا لا تتطلَّع الأيام إلى نزعه ، وانتهى إليه المجد فوقف ، وعرف الكرم مكانه فانحاز إليه وعطف . فقصرت عنه خطا من يجاريه ، وضاق عنه باع من يباريه : نالت يداه أقاصي الكرم الَّذي مدّ الحسود إليه باعا ضيّقا ! فمناقبه تسبق أقلام الكاتب ، وتستغرق طاقة الحاسب ؛ لسس لارتفاعها غاية ، ولا لتداولها نهاية ؛ فلا توفي جامعة بشرطها ، ولا تقوم جريدة ببسطها : وقد وجدت مكان القول ذا سعة فإن وجدت لسانا قائلا فقل ! قد هتف بمدحه خطباء الأقلام على منابر الطَّروس ، ونطقت بفضله أفواه المحابر فنكَّست لرفعة قدره شوامخ الرّؤوس ، وطلعت في أفق المهارق سعود إيالته السعيدة فأفلت لوجوده النّحوس ، ورقمت محاسنه بنقس اللَّيل على صفحات النّهار فارتسمت ، وحملت أخبار معروفه فتزاحمت الآفاق على انتشاق أرج ريحه العبقة واستهمت : لقد كرمت في المكرمات صفاته فما دخلت لاء عليها ولا إلَّا ! اتّفقت الألسنة على تقريضه فمدح بكلّ لسان ، وتوافقت القلوب على حبّه فكان له بكلّ قلب مكان ، واستغرقت ممادحه الأزمنة والأمكنة فاستولى شكره على الزّمان والمكان : ولم يخل من إحسانه لفظ مخبر ولم يخل من تقريضه بطن دفتر ! على أنّي أستقيل عثرتي من التّقصير في إطرائه ، والتّعرّض من مدحه لما لا أنهض بأعبائه ؛ فلو أن « الجاحظ » نصيري ، و « ابن المقفّع » ظهيري ، و « قسّ بن ساعدة » يسعدني ، و « سحبان وائل » ينجدني ، و « عمرو بن الأهتم » يرشدني ، لكان اعترافي بالعجز في مدحه أبلغ مما آتيه ، وإقراري بالتّقصير في شكره أولى مما أصفه من توالي طوله وأياديه :