أحمد بن علي القلقشندي

228

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

يقصّر عن رتبته « سحبان » في المقال ، أو ترسّل أعيى « عبد الحميد » في رسائله ، أو كتب رتعت من روض خطَّه في زهر خمائله : يؤلَّف اللَّؤلؤ المنثور منطقه وينظم الدّرّ بالأقلام في الكتب ! فرأيه السيف لا ما صنع الهند ، وعقله الصّارم لا ما استودع الغمد : ففي رأيه نجح الأمور ولم يزل كفيلا بإرشاد الحيارى موفّقا ! أقلامه تزري بالصّوارم وتهزأ بالأسل ، وتجري بصلة الأرزاق فتزيد على الأماني وتربو على الأمل : بت جاره فالعيش تحت ظلاله واستسقه فالبحر من أنوائه ! فمكارمه تغني من الإملاق ، وبواكره بالإسعاد تبادر الغدوّ والإشراق ، وعطاياه تسير سير السّحاب فتمطر الغيث على الآفاق . كريم مساعي المجد يركب نجدة من الشّرف الأعلى وبذل الفواضل قد خدمته الحظوظ وأسعدته الجدود ، وقسمت المنازل السّنيّة فكان له منها سعد السّعود : لو عدّد الناس ما فيه لما برحت تثني الخناصر حتّى ينفد العدد ! فلو غرس الشّوك أثمر العنباء ( 1 ) أنّى أرادها ، أو حاول العنقاء في الجوّ لصادها ، أو زرع في السّباخ ( 2 ) لكان ذلك العام والسّنة الخصبة ، ولضوعفت مضاعفة حسناته فأنبتت كلّ حبّة سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة : وإذا السعادة لا حظتك عيونها نم فالمخاوف كلَّهن أمان واصطد بها العنقاء فهي حبائل واقتد بها الجوزاء فهي عنان !

--> ( 1 ) في اللسان : هو لغة في « العنب » . ( 2 ) السباخ : الأرض التي ترتفع في تربتها نسبة الملوحة ، وهي غير صالحة للزراعة .