أحمد بن علي القلقشندي

227

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

قسمتها ، ومخضت لها الرّأي الصائب حتّى ظهرت في الوجود زبدتها ؛ فكان خلاصة اصطفائهما ، وزبدة انتقائهما ، المقرّ الأشرف ، العاليّ ، المولويّ ، القاضويّ ، الكبيريّ ، السّفيريّ ، المشيريّ ، الفتحيّ ، نظام الممالك الإسلامية وزمام سياستها ، ومنفّذ أمورها ، وجامع رآستها ؛ أبو المعالي فتح اللَّه صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية ، زاد اللَّه تعالى في ارتقائه على تعاقب الدّول ، وأجراه من خفيّ اللَّطف على أجمل العوائد وقد فعل ، فألقي إليه من أسرار المملكة مقاليدها ، واتّفقت بحسن سفارته باتّفاق الرّواة أسانيدها ، فنفذت بتنفيذه أمورها ، وكملت بصحيح رأيه كسورها ، فجرت الأمور بحسن تدبيره على السّداد ، ومشت الأحوال بلطف سفارته على أتمّ المراد ، واعترفت له الكافّة بالسّيادة فأطاعت ، وعرفت له الرّعية تقدّمه في الرآسة فرعت حرمته وراعت . وإنّ أمور الملك أضحى مدارها عليه كما دارت على قطبها الرّحى ! قد استعبد الخطَّ فأصبح له كالخديم ، وأتى من المعروف بكلّ غريب فأنسى من أثر عنه ذلك في الزّمن القديم ؛ فلو رآه « خالد بن برمك » لأحجم عن ملاقاته عظما ، أو ناوأه « يحيى بن خالد » لمات من مناوأته عدما ، أو سابقه « الفضل وجعفر » ابناه لسبقهما كرما : مناقب لو أنّي تكلَّفت نسخها لأفلست في أقلامها ومدادها ! أو سمع به « الحسن بن سهل » لقطع إليه الحزن والسّهل ، أو بصر به « الفضل » أخوه ، لما رأى أنه للفضل أهل ، أو عاينه « أبو عليّ بن مقلة » لعلم أنه فاقه حظَّا وخطَّا ، أو نظر « ابن هلال » إلى أهلَّة نوناته لتحقّق أنه سبقه إلى تحرير هندسة الحروف وما أخطا : إذا أخد القرطاس خلت يمينه تفتّح نورا أو تنظَّم جوهرا ! فإن تكلَّم أتى من بيانه بالسّحر الحلال ، أو حاور أتى من البلاغة بما