أحمد بن علي القلقشندي
212
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
العالم عن الهندين ، هند الطَّيب ، وهند النّسيب ، ربّة الخمار ، وأرباب قمار ، أخدان التّجر ، وخدينة الهجر ( 1 ) . . ( 2 ) ما حاملة طوق من اللَّيل ، وبرد من المرتبع مكفوف الذّيل ، أوفت الأشاء ، فقالت للكئيب ما شاء ؛ تسمعه غير مفهوم ، لا بالرّمل ولا بالمزموم ؛ كأن سجيعها قريض ، ومراسلها الغريض ؛ فقد ماد لشجوها العود ، وفقيدها لا يعود ؛ تندب هديلا فات ، وأتيح له بعض الآفات ( 3 ) - بأشوق إلى هديلها من عبده إلى مناسمة أنبائه ، ولا أوجد على إلفها منه على زيارة فنائه ؛ وليست الأشواق ، لذوات الأطواق ، ولا عند السّاجعة ، عبرة متراجعة ، إنما رأت الشّرطين ( 4 ) ، قبل البطين ، والرّشاء بعد العشاء ، فحكت صوت الماء في الخرير ، وأتت براء دائمة التّكرير ، فقال جاهل فقدت حميما ، وثكلت ولدا كريما ( 5 ) : وهيهات يا باكية ، أصبحت فصدحت ، وأمسيت فتناسيت ؛ لا همام لا همام ( 6 ) ، ما رأيت أعجب من هاتف الحمام : سلم فناح ، وصمت وهو
--> ( 1 ) الخدن : الصديق . والتجر : التجارة . والقمار : القطر الذي يؤخذ منه العود القماري . وقد شرحها البكر باذي خطأ فقال هي المغامرة . ( انظر الرسائل : 1 / 184 ) . ( 2 ) اقتبس ابن بسّام هذا النص في « الذخيرة » 3 / 1 : 348 - 349 حتى قوله : « مكسور الجناح » . ( 3 ) المرتبع : المكان الذي يقضى فيه الربيع . مراده أن الطبيعة قد كست الحمامة فمنحها الليل طوقا ومنحها المرتبع بردا ربيعيا . الأشاء : جمع أشاءة ، وهي النخلة الصغيرة . الرمل : نوع من الألحان الغنائية ، وليس المقصود به البحر العروضي ، والمزموم لحن آخر . والقريض : الشعر . والمراسل : الذي يطارحها ويجاوبها . والغريض : مغنّ مشهور . والهديل هنا فرخ الحمام الذي يزعم بعض الناس أنه هلك في عهد نوح عليه السّلام ، فالحمام تبكيه إلى اليوم . قال نصيب : فقلت أتبكي ذات طوق تذكرت هديلا وقد أودى وما كان تبع ( 4 ) الشرطان : من منازل القمر ، وهما يطلعان في نيسان ، وهما من الكواكب الشامية ، وكذلك البطين . والرشاء : من منازل القمر أيضا ، وهو من الكواكب اليمانية . ( شرح المعرّي ) . ( 5 ) في البكر باذي « قديما » . ( 6 ) لاهمام : أي لا أهم بذلك ولا أفعله . ومنه قول المعرّي في رثاء أمه : سمعت نعيّها صمي صمام وإن قال العواذل : لا همام ( رسائل المعري : 1 / 216 : حاشية ) .