أحمد بن علي القلقشندي

213

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

مكسور الجناح ؛ إنّما الشّوق لمن يدّكر في كلّ حين ، ولا يذهله مضيّ السّنين . وسيّدنا الوزير أطال اللَّه بقاءه القائل النّظم في الذّكاء مثل الزّهر ، وفي النّقاء مثل الجوهر ، تحسب بادرته التّاج ؛ ارتفع عن الحجاج ( 1 ) ، وغابرته الحجل في الرّجل ؛ يجمع بين اللَّفظ القليل ، والمعنى الجليل ، جمع الأفعوان في لعابه بين القلَّة وفقد البلَّة ( 2 ) ؛ خشن فحسن ، ولان فما هان ؛ لين الشّكير ، يدلّ على عتق المحضير ( 3 ) ، وحرش الدّينار آية كرم النّجار ؛ فصنوف الأشعار بعده كألف السّلم ، يلفظ بها في الكلام ، ولا تثبت لها هيئة بعد اللَّام ، خلص من سبك النّقد خلوص الذّهب من اللَّهب ، واللَّجين من يد القين ، كأنّه لآل في أعناق حوال ، وسواه لطَّ في عنق ثطَّ ( 4 ) ، ما خانته قوّة الخاطر الأمين ، ولا عيب بسناد ولا تضمين ( 5 ) ؛ وأين النّثرة ( 6 ) من العثره ،

--> ( 1 ) الحجاج بكسر الحاء وفتحها : عظم الحاجب . والحجل : الخلخال . والغابرة : الباقية . والبادرة : السابقة . ( 2 ) البلَّة : من قولهم بلّ المريض وأبلّ إذا بريء . ( 3 ) الشكير : ما لان من الريش والشعر وورق الشجر . وهو ها هنا ما كان حول ناصية الفرس من صغار الشعر ، ويستدلَّون بلينه على عتق الفرس ، والمحضير : الشديد العدو . وحرش الدينار : خشونته . ( 4 ) قال المعرّي : « اللطَّ قلادة من حنظل ، وقال ابن الأعرابي : هو حلي تحلَّى به العجائز ، وجعله ابن السكيت مثل العقد والسمط . قال الراجز : إلى أمير بالعراق ثطَّ مثل عجوز جليت في لطَّ تضحك عن مثل ما تغطي والثطَّ : الذي لا شعر في وجهه ؛ وهو أفصح من قولهم « أثطَّ » . ( 5 ) السّناد من عيوب الشعر ، وهو اختلاف الأرداف ، كقول عبيد بن الأبرص : فإن يك فاتني أسفا شبابي وأضحى الرأس مني كاللَّجين فقد ألج الخباء على جوار كأن عيونهنّ عيون عين والتضمين هو أن يكتمل البيت ولا يكتمل المعنى إلا بالبيت الذي يليه ، كقول الشاعر : يا ذا الذي في الحبّ يلحى أما واللَّه لو علَّقت منه كما علَّقت من حبّ رخيم لما لمت على الحبّ ، فدعني وما ( لسان العرب : مادة سند ، وضمن ) . ( 6 ) شرحها البكر باذي بأنها العطسة للدواب ، قال : أو هي النثار ، وهو ما تناثر من الدر وغيره ؛ أما المعرّي فقال : « النثرة من منازل القمر ، وهي أربعة أنجم من نجوم الأسد ؛ وإنما قيل لها نثرة تشبيها بنثرة الإنسان وهي خيشومه ، ويقال للأنف نثرة . والغرقد : ضرب من الشجر كثير الشوك ، والفرقد : من النجوم » . وقد اقتبس سبط ابن الجوزي هذه العبارة في مرآة الزمان ، وقد وردت في تعريف القدماء بأبي العلاء محرّفة ( أو بالأحرى غيرها المحققون عن وهم منهم ) هكذا : « أين النثرة من النثرة ، والفرقد من الفرقد » وقالوا : النثرة : الدرع الواسعة ، والنثرة أيضا : كوكبان في السماء ؛ والفرقد : ولد البقرة الوحشية ، والفرقد أيضا : نجم في السماء . ( انظر : تعريف القدماء بأبي العلاء : ص 155 - ورسائل المعرّي : 1 / 219 : شرح البكر باذي وتعليق المحقق وشرح المعري في الهامش ) .