أحمد بن علي القلقشندي

191

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

يجيء بالظفر ويذهب بصدر مفضّض وناظر مذهب ، له منسر أقنى ، طالما أغنى ، كأنّما هو شبا السّنان وقد حباه الكماة طعنا : وصارم في يديك منصلت إن كان للسّيف في الوغى روح متّقد اللَّحظ من شهامته فالجوّ من ناظريه مجروح ! قد راش النّجح جناحه ، وقرن اللَّه باليمن غدوّه ورواحه ، ونصره في حربه حيث جعل منسره رمحه ومخلبه صفاحه ، في قوادمه السّعد قادم ، وفي خوافيه النّصر ظاهر المعالم ، كأنّما ألهم قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « بورك لأمّتي في بكورها » ، فيسرح والطَّير جاثمة في وكورها ، ويخرج في إغباش السّحر وعليه سواد ، فيهابه الصّادح في الجوّ والباغم في الواد ، ويأمر - خلَّد اللَّه سلطانه - أمراءه فيضربون على الطَّير حلقة وهي لاهية في التقاط حبّها ، غافلة عمّا يراد بها ، فيذعرونها بخفق الطَّبول وضربها ، ومولانا السلطان - خلَّد اللَّه ملكه - لنافرها مترقّب ، ولطائرها بالجارح معقّب ، فما يدنو الكركيّ مقرورا حتّى يؤوب مقهورا ، ساقطا من سمائه إلى أرضه ، ومن سعته إلى قبضه ، فسبحان من خلق كلّ جنس وقهر بعضه ببعضه ؛ هذا : والجارح قد أنشب فيه مخالبه ، وسدّ عليه سبله في جوّ السّماء ومذاهبه ؛ ولم يزل - خلَّد اللَّه تعالى سلطانه - عامّة يومه متوغَّلا في التّمتّع بلذّات صيوده ، وأوقات سعوده ، وحصول أربه ومقصوده ، وجنود الملائكة حافّون به وبجنوده ، حتّى ينسخ النهار الليل بظلمائه ، ويلمع الطَّارق بأضوائه ، فيعود عند ذلك الرّكاب الشريف إلى المخيّم المنصور والجوارح كاسبة ، والأقدار واهبة ، والجوارح مسرورة ، والطَّيور مأسورة ، والنّفوس ممتّعة ، والمواهب منوّعة ، والأرجاء مضوّعة ، واللَّه تعالى مع سلطانه بكلاءته : « ومن كان مع اللَّه كان اللَّه معه » ، فيرفع أمامه فانوسان توءمان ، كأنهما كوكبان بينهما اقتران ، أو فرقدان رفعتهما يدان ، فيدنو إلى مخيّمه المنصور في سرادق العزّ الحفيل ، وعصابة النّصر الأثيل ، وتترجّل الأنصار قبل فسطاطه المعظَّم على قدر ميل ، ويسعى بالشّموع لتلقّيه ، ويسوّى تخت الملك لترقّيه ، فعند ذلك