أحمد بن علي القلقشندي
192
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يطوف بالدهليز أمراء الحرس بالشّموع المرفوعة ، والمزاهر المسموعة ، فإذا طلع الفجر مستطيلا ، وجاء الصّبح شيئا قليلا ، عرضت عليه النّعم فأعطاها ، والمهمّات الإسلامية فقضاها ، وقدّمت له الجياد المسوّمة فامتطاها ، ويسرح إلى الصّيد والجوارح التي صادت بالأمس قد استأسدت ، وبسعادته إلى ظفرها قد أرشدت ؛ فإذا سار ركابه الشّريف فرّقت على أثره عساكر الإسلام ، وقوّضت تلك الخيام كأنها الأيّام . ولم يبرح ذلك دأبه في كلّ يوم من أيّام حركته حتّى يأخذ حظَّه من صيد الطَّير ، فعند ذلك يثني عنان السّير ، إلى اقتناص الوحش فيعدّ لإمساكها كلّ هيكل قيد الأوابد ( 1 ) قد عقد الخير بناصيته فأصبح حسن المعاقد . فمن أشهب : كريم المغار ، ذي إهاب من النّهار ، وأديم كأنّه صحيفة الأبرار ، أبيض مثل الهدى ، له في الصّبح إثارة النّصر وإغارة على العدا ؛ علا قدرا وغلا قيمة ، وله إلى آل أعوج ( 2 ) نسبة مستقيمة ، إذا استنّ في مضمار يسبق البروق الخاطفة ، ويخلَّف الرّيح حسرى وهي واقفة ، يجده الفارس بحرا ، وله عند مجرى العوالي مع السّوابق مجرى . ومن أحمر : كأنّما صبغ بدم الأعداء أديمه ، وكأنّما هو شقيق الشّقيق وقسيمه ؛ كرمت غرره وحجوله ، وحسنت أعراقه وذيوله ، مكرّ مفرّ كجلمود صخر حطَّته من عليّ سيوله ( 3 ) ؛ حكى لونه محمرّ الرّحيق ، وله كلّ يوم ظفر جديد مع أنه عتيق .
--> ( 1 ) أي الفرس الضخم السريع الذي يقيد الأوابد . وهو من قول امريء القيس في معلقته : وقد أغتدي والطير في وكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل . ( 2 ) أعوج : اسم حصان لبني هلال ، تنسب إليه جياد الخيل ، ويقال : الأعوجيات . ( الحلبة في أسماء الخيل ، للصاحبي التاجي . ص 23 ) . ( 3 ) مأخوذ من قول امريء القيس في معلقته : مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطَّه السّيل من عل