أحمد بن علي القلقشندي
178
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إبانة . ولما تشهّد ساعدوه جميعهم بأصوات محمحمة ملعلعة ، ونغمات متنوّعة ؛ يمسكون له النّغم بأحسن تلحين ، ويترنّمون بالأصوات إلى آخر التّأذين ؛ وفرغ الأذان وكلَّهم قعود ما منهم أحد غير الصّبيّ وقف ، وما منّا أحد لكلمة من الأذان عرف ؛ ولما فرغ الأذان طلع شيخ كبير السّنّ يعرف بأمير محفل المنبر ، وشرع في دعاء لا نعرفه ، وادعاء لا نألفه : كأنّه مخاصم ، أو وكيل شرع أحضره لمشادّة خصمه محاكم بين يدي حاكم ؛ وطلع الخطيب بعد ذلك فخطب ودعا لمولانا السلطان بغير مشاركة ، ودعا الناس بما تلقّته من الأفواه الملائكة ؛ وانقضت الجمعة على هذه الصّورة المسطورة ؛ وضربت السّكَّة باسم مولانا السلطان ، وأحضرت الدّراهم إليه في هذا اليوم ، فشاهدها فرأى أوجهها باسمة باسمه الميمون ، وأقرّت الألسنة بهذه النعمة وقرّت العيون ؛ وشاهدت بقيساريّة مدارس وخوانق وربطا تدلّ على اهتمام بانيها ، ورغبتهم في العلوم الشّرعية والدّينية ، مشيدة بأحسن الحجار الحمر المصقولة المنقوشة ، وأراضيها بأجمل تلك مفروشة ، وأواوينها وصففها مؤزّرة بالقاشانيّ الأجمل صورة ، وجميعها مفروشة بالبسط الكرجيّة والعالية ، وفيها المياه الجارية ، ولها الشّبابيك على البساتين الحسنة ، وسوق قيصريّة طائف بها من حولها ، وليس داخل المدينة دكَّان ولا سوق . والوزير في بلاد الرّوم جميعها يعرف بالصّاحب « فخر الدّين خواجا عليّ » ولا يحسن الكتابة ولا الخطَّ ، وخلعته من مماليكه خاصّة مائتا مملوك ، ودخله في كلّ يوم - غير دخل أولاده وغير الإقطاعات التي له ولأولاده وخواصّه - سبعة آلاف درهم سلطانية . ولقد شاهدت في مدرسته من خيامه وخركاواته شيئا لا يكون لأكبر الملوك ، وله برّ ومعروف ، وهو بالخير موصوف : والمسمّون بالوزير كثير والوزير الذي لنا المأمول ! وعليّ هذا وذاك عليّ وعليّ هذا له التّفضيل !