أحمد بن علي القلقشندي

179

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الذي زلت عنه شرقا وغربا ونداه مقابلي لا يزول ! ومعي أينما سلكت كأنّي كلّ وجه له بوجهي كفيل ! وأمّا معين الدّين سليمان البرواناه وزوجته كرجي خاتون ، فظهر لهما بن الموجود البادي للعيون كلّ نفيس ، وبحمد اللَّه استولى مولانا السلطان مماليكه من موجوده ودار زوجته المذكورة على ملك سليمان وصرح لقيس . ولما أقام مولانا السلطان بقيصريّة هذه المدّة ، فكَّر في أمر عساكره مصالحه بما لا يعرفه سواه ، ونظر في حالهم بما أراه اللَّه ، وذلك لأن لأقوات قلَّت ، [ وقيسارية ألقت ما فيها من المؤن وتخلَّت ] ( 1 ) والسّيوف من لمصارعة ملَّت ، والسّواعد من المصادمة كلَّت ، وأنّه ما بقي في الرّوم من الكفّار من يغزى ، ولا بجزاء السّوء يجزى ؛ ولا بقي في البلاد غير رعايا كالسّوائم الهاملة ، ولا دية - للكفر منهم - على عاقل وعاقلة ؛ وأنّه إن أقام فالبلاد لا تحمله ، وموادّ بلاده لا تصله ، وأعشاب الرّوم بالدّوس قد اضمحلَّت ، وعلوفاتها قد قلَّت ، وزروعها لا ترتجى لكفاية ، ولا ترضى خيول العساكر المنصورة بما ترضى به خيول الرّوم من الرّعي والرّعاية ، وأن الحسام الصّقيل الذي قتل التّتار به في يد القاتل ، وأنّهم إن كان أعجبهم عامهم فيعودون إلى الرّوم في قابل . ورحل في يوم الاثنين عشرين ( 2 ) من ذي القعدة بعد أن أعطى أمراءه وخواصّه كلّ ما أحضر إليه من الأعنّة والأزمّة ، وكلّ ما يطلق على تولَّيه اسم النّعمة ؛ فنزل بمنزلة تعرف بعترلوا ( 3 ) ؛ وفي هذه المنزلة ورد إلى السلطان رسول من جهة غياث الدّين سلطان الرّوم ، ومن جهة البرواناه والكبراء الذين

--> ( 1 ) الزيادة من الروض الزاهر . ( 2 ) في المصدر السابق : « فرحل الثاني والعشرين من ذي القعدة » ( 3 ) لعل الألف زائدة