أحمد بن علي القلقشندي

174

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

لمّا مرّ عليه ، وكثر الناس فما وصل أحد إليها ولا إليه ؛ وعليه أوقاف عظيمة ، وضياع كثيرة حوله وفي غيره من البلاد ، وله دواوين وكتّاب ومباشرون يتولَّون استخراج أمواله والإنفاق فيه ؛ ولم يتعرّض التّتار إلى إبطال شيء من رسومه ، وأبقوه على عوائد تكريمه ؛ وأهل الرّوم يبالغون في تبجيل بانيه - رحمه اللَّه - وتعظيمه ؛ ونزلنا تلك اللَّيلة قريب قرية تقرب من قيصريّة من حقوق وادي صلعومة شرقيّ الجبل المعروف بعسيب ، وفيه قبر امريء القيس الشاعر ، [ وهو الذي يقول فيه ] : أجارتنا ( 1 ) إن الخطوب تنوب وإنّي مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنّا غريبان ها هنا وكلّ غريب للغريب نسيب ! ! وهذا الجبل يعلوه جبل « أرجاس » ، وهو الذي يضرب الرّوم الأمثال بتساميه ، وتتضاءل الجبال في جميع الدّنيا لتعاليه ؛ لا تسحب ذيول السّحائب إلا دون سفحه ، ولا يعرف من ثلوجه شتاء وصيفا ومن مثال الأبخرة المتصعّدة منه عشاؤه من صبحه . ولما كان يوم الأربعاء منتصف ذي القعدة ، وهو يوم شرف الزّهرة ركبت العساكر المنصورة مترتبة ، وملأت الفضاء متسرّبة ؛ وركب مولانا السلطان في زمرته ، وذوي أمره وإمرته ، يختال جواده في أفسح ميدان ، ويصيح به فرحا ومرحا كأنّه نشوان درى أنه سلطان : تظلّ ملوك الأرض خاشعة ( 2 ) له تفارقه هلكى وتلقاه سجّدا ! وخرج أهل قيصرية وأكابرها ، وعلماؤها وزهّادها وتجّارها ، ورعاياه ونساؤها وصغارها ، فأكرم مولانا السلطان ممشاهم ، وشكر مسعاهم ، وتلقّى قضاتهم وعلماءهم ركبانا ، وحادثهم إنسانا فإنسانا ؛ وحصلت لجماعة من

--> ( 1 ) كذا أيضا في أكثر المصادر . وفي الروض الزاهر : « أجيرتنا » . ( 2 ) في بعض الروايات « خاضعة » .