أحمد بن علي القلقشندي
175
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الفقراء والناس حالات وجد مطربة ، وصدحات ذكر معجبة . وكان دهليز السلطان غياث الدّين صاحب الرّوم وخيامه وشعار سلطنة الرّوم قد بني جميع ذلك في وطأة قريب الجوسق والبستان المعروف بكيخسرو ، وترجّل النّاس على اختلاف طبقاتهم في الرّكاب الشّريف من ملك وأمة ومأمور وأمير ، وارتفعت الأصوات بالتّهليل والتّكبير : رجا الرّوم من ترجى النّوافل كلَّها لديه ولا ترجى لديه الطَّوائل ! ونزل مولانا السلطان في تلك المضارب المعدّة لكرم الوفادة ، وضربت نوبة سلجوق على باب دهليزه على العادة ؛ وأذن مولانا السلطان للناس في التقرّب إلى شريف فسطاطه ، وشملهم بنظره واحتياطه ؛ وحضر أصحاب الملاهي ، فما ظفروا بغير النّواهي ، وقيل لهم : ارجعوا وراءكم فالتمسوا ، واذهبوا إلى واد غير هذا الوادي فاقتبسوا ؛ فهذه الهناة لا تنفق هنا ، وما هذا موضع الغناء بل هذا موضع الغنى ؛ وشرع مولانا السلطان في إنفاق اللَّهى ( 1 ) ، وعيّن لكلّ جهة شخصا وقال : أنت لها ؛ وحكم وحكَّم ، وعلم وعلَّم ؛ واعتمد على الأمير سيف الدّين جاليش في النّيابة ، وأعطى كلَّا بيمينه كتابه ، [ وكتب إلى أولاد قرمان ، أمراء التركمان ، وهم ألوف ، وما فيهم للتتار ألوف ، وأكَّد عليهم في الحضور ] ( 2 ) ، وأقام الحجّة على من انتزح بالاستعطاف ، وتأمين من خاف ، فما خرج كبيرهم ( 3 ) عن المخاتلة ، ولا زعيمهم عن المطاولة ؛ فلمّا علم مولانا السلطان أنهم لا يفلحون ، ولغير التّتار لا يصلحون ، وأنّهم إن أصبحوا على الطاعة لا يمسون وإن أمسوا لا يصبحون ، عاد عن تلك الوعود ، واختار أن ما بدأ إليه يعود ، وأن يبعث نفسه إلى ما بعثه اللَّه إليه من المقام المحمود ، فركب يوم الجمعة سابع عشر ذي
--> ( 1 ) بالألف المقصورة والممدودة . وهي جمع « لهوة » وهي العطية . ( 2 ) الزيادة من « الروض الزاهر » ص 466 . ( 3 ) في المصدر السابق « فما خرج البرواناه عن المخاتلة »