أحمد بن علي القلقشندي

168

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

( وأصبح الأعداء لا ترى إلا أشلاؤهم ، ولا تبصر إلا أعياؤهم ؛ كأنّما جزر أجسادهم جزائر يتخلَّلها من الدّماء السّيل ، وكأنّما رؤوسهم المجموعة لدى الدّهليز المنصور أكر تلعب بها صوالجة من الأيدي والأرجل من الخيل ) ( 1 ) : ألقت إلينا دماء المغل طاعتها فلو دعونا بلا حرب أجاب دم ( 2 ) ! فكم شاهد مولانا السلطان منهم مهيب الهامة ، حسن الوسامة ، تتفرّس في جهامة وجهه الفخامة ، قد فضّ الرّمح فاه فقرع السّنّ على الحقيقة ندامة : ووجوها أخافها منك وجه تركت حسنها له والجمالا ! أو كما قيل : لا رحم ( 3 ) اللَّه أرؤسا لهم أطرن عن هامهنّ أقحافا ! وأقبل بعض الأحياء من الأسارى على الأموات يتعارفون ، ولأخبار شجاعتهم يتواصفون ؛ فكم من قائل : هذا فلان وهذا فلان ، وهذا كان وهذا كان ؛ وهذا كان يحدّث نفسه بأنه يهزم الألوف ، وهذا يقرّر في ذهنه أنه لا تقف بين يديه الصّفوف ؛ وكثرت الأسارى من المغل فاختار السلطان من كبرائهم البعض ، وعمل فيهم بقول اللَّه عزّ وجلّ : * ( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَه أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ) * ( 4 ) . فجعلهم للسّيوف طعمة ، وأحضرت الأسارى من الرّوم فترقّب مولانا السّلطان فيهم الإلّ والذّمّة : وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ومن لك بالحرّ الذي يحفظ اليدا !

--> ( 1 ) ما بين قوسين ساقط من « التذكرة الصفدية » وفي الروض الزاهر باختلاف غير يسير . ( 2 ) في الروض الزاهر : ألقت إلينا دماء الروم طاعتها فلو دعونا بلا ضرب أجاب دم ( 3 ) في ديوان المتنبي : « لا يرحم اللَّه » . ( 4 ) الأنفال / 67 .