أحمد بن علي القلقشندي
166
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بالجبال فأخذهم الأخذة الرّابية ، وقتلهم * ( فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ) * ( 1 ) . وما الفرار إلى الأجبال ( 2 ) من أسد تمشي النّعام به في معقل الوعل ؟ وانهزمت جماعة يسيرة طمع فيها من العوامّ من كان لا يدفع عن نفسه ، وأخذتهم المهاوي فما نجا منهم إلا آيس من حياة غده في أمسه . مضوا متسابقي الأعضاء فيه لأرؤسهم بأرجلهم عثار ( 3 ) إذا فاتوا الرّماح تناولتهم بأرماح من العطش القفار ! وقصدت ميمنة عسكرنا جماعة من المغل ذوو بأس شديد ، فقاتلهم المسلمون حتّى ضجر الحديد من الحديد ؛ ( وكان مولانا الصاحب زين الدّين - حرس اللَّه جلاله - لما دعيت نزال أوّل مسابق ، وأسرع راشق ، وأقرب مطاعن ، وأعظم معاون ؛ فذكر من شاهده أنه أحسن في معركته ، وأجمل في كرّته ، وأجاد في طعنته ، وزأر زئير اللَّيث ، وسابق حتّى لم يبق حيث ، ووقف دريئة للرّماح من عن يمينه وشماله ، وخضّب بما تحدّر من دم عدوّه أكناف سرجه وعنان لجامه ، وكانت عليه من اللَّه باقية واقية في تقدّمه وإقدامه ، وشاهدناه وقد خرج من وسط المعركة وهو شاكي السّلاح ، وقد أخذ نصيبه ونصيب فرسه من سالم الجراح ؛ وأراد اللَّه أن لا يخليه من إسالة دم يعظَّم اللَّه الأجر بسائله - فجعله - والمنّة للَّه - من بعض أطراف أنامله . ولقد ذكر الأمير عزّ الدّين أيدمر الدّوادار الظَّاهريّ ، قال : لقيتني وقد تكسّر رمحي ، وعاد - لولا لطف اللَّه - إلى الخسارة ربحي ، فأعطاني المولى الصاحب زين الدّين رمحه فإذا فيه نصول ، وبسنّه من قراع الدّارعين فلول ؛ ورأيت دبّوس المولى الصاحب زين الدّين وقد تثلَّم ، وكان الخوف
--> ( 1 ) الحاقة / 8 . ( 2 ) الأجبال : جمع جبل . وفي الروض الزاهر « الأحباب » وهو تصحيف . ( 3 ) لعلها « لأرجلهم بأرؤسهم » .