أحمد بن علي القلقشندي

161

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الواحد ، وتلتفّ شجراتها التفاف الأكمام على السّاعد ؛ ذات أوعار زلقة ، وصدور شرقة ، وأودية بالمزدحمين مختنقة ؛ بينما يقول منتحيها : قد نلت السّماء بسلَّم من هذه الشّواهق ، إذا هو متضائل ( 1 ) قد هبط في مأزق متضايق ؛ لم تزل هذه الجبال تأخذنا وترمينا ، وتلك المسارب تضمّنا وتلك المشارب تظمينا : تسوّد الشّمس منّا بيض أوجهنا و [ لا ] ( 2 ) تسوّد بيض العذر واللَّمم ونترك الماء لا ينفكّ من سفر ما سار في الغيم منه سار في الأدم ! حتى وصلنا الحدث الحمراء المسمّاة الآن بكينوك ، ومعناها المحرقة ، ( كان الملك قسطنطين والد صاحب سيس قد أخذها من أصحاب الرّوم وأحرقها ، وتملَّكها وعمرها ، بقصد الضّرر لبلاد الإسلام والتّجّار ، فلما كان في سنة اثنتين وسبعين ( 3 ) وسبعمائة سيّر مولانا السلطان إليها عسكر حلب فافتتحها بالسّيف وقتل من كان بها من الرّجال وسبى الحريم والذّرّيّة ، وخربت من ذلك الحين ، وما بقي بها من يكاد يبين ، فشاهدنا ما بنى سيف الدّولة بن حمدان منها والقنا تقرع القنا وموج المنايا حولها متلاطم ، وقيل حقيقة هناك : على قدر أهل العزم تأتي العزائم ، وهي التي عناها أبو الطَّيّب بقوله : غصب الدّهر والملوك عليها فبناها في وجنة الدّهر خالا فهي تمشي مشي العروس اختيالا وتثنّى على الزّمان دلالا ! ) ( 4 )

--> ( 1 ) ساقطة من « الروض الزاهر » . ( 2 ) الزيادة من ديوان المتنبي . والشعر ساقط من نص « الروض الزاهر » . ( 3 ) هذا خطأ تاريخي ، لأن سلطنة الظاهر بيبرس ابتدأت سنة 658 ه وانتهت سنة 676 ه . وقد جاء في « التذكرة الصفدية » - مخطوط ، دار الكتب ، رقم 9796 أدب - أنه فتحها سنة 672 ه ، وهو أضبط . ( انظر « القلقشندي وكتابه صبح الأعشى : ص 144 ، دراسة عن وثائق صبح الأعشى للدكتور عبد القادر طليمات ) . ( 4 ) ما بين هلالين ساقط من « الروض الزاهر » .