أحمد بن علي القلقشندي
156
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ورفضه الناس ، وجعل ينكت الأرض ، ويواصل بكفّه العضّ ، ويتشاءم بيومه ، ويعود على نفسه بلومه ؛ يمسح جبينه ، ويكثر أنينه ؛ فقمت فقامت معي الجماعة وتركته ، واستهانت به وفركته ؛ فلما بقي وحده ، تمنّى لحده ، وأسبل دمعته ، وودّ أنّ الأرض بلعته . وكان كمثل البوّ ( 1 ) ما بين روّم تلوذ بحقويه السّراة الأكابر فأصبح مثل الأجرب الجلد مفردا طريدا فما تدنو إليه الأباعر ! فقام فتبعني ، ووقف وودّعني ، وأطال الاعتذار ، وأظهر التّوبة والاستغفار ، وقال : مثلك من ستر الخلل ، وأقال العثرة والزّلل ؛ فقد اغتررت من سنّك بالحداثة ، ومن أخلاقك بالدّماثة ؛ فقلت : كلّ ذلك مفهوم معلوم ، وأنت فيه معذور لا ملوم ؛ وما جرى بيننا فهو منسيّ غير مذكور ، ومطويّ غير منشور ، ومخفيّ غير مشهور : و [ جدال ] ( 2 ) أهل العلم ليس بقادح ما بين غالبهم إلى المغلوب ! ثم سكت فما أعاد ، ونزلت وعاد ، وكان ذلك أوّل عهد به وآخره ، وباطن لقاء وظاهره ، وكلّ اجتماع وسائره .
--> ( 1 ) البوّ : جلد يحشى تبنا أو حشيشا لتعطف عليه الناقة إذا مات ولدها ، ثم يقرّب إلى أم الفصيل فتدرّ عليه . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .