أحمد بن علي القلقشندي

155

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

والآن فقد فازت قداحك ، وبانت غررك وأوضاحك ، وأجدت النّضال ، وأدركت الخصال ، فأوضح لنا عمّا سألت ، وأرشدنا إلى ما دللت ، لئلَّا يقال : هذا بهت ، ومحال بحت ؛ فقلت حبّا وكرامة ، اسمع أنت يا طغامة ( 1 ) ؛ إنّ الفعل من فاعله ، كالولد من ناجله ، لا يخلو الفعل من علامة الفاعل ، في لفظ كلّ قائل ، وهي الفتحة من ماضيه وواقعه ، والزّوائد في مستقبله ومضارعه . وبيان ذلك : أن الفتحة لا تكون مع التاء والنون . . . ( 2 ) . . . فتثبت الفتحة ، ثم تقول : أخرجت وأخرجنا ، فتسقط ما ذكرنا ، وعلامتان لمعنى محال ، لا يوجبهما الحال ؛ فإن كانت النون التي مع الألف ضمير المفعول عادت الفتحة ، فتقول : أخرجنا الأمير ، فهذا بيّن ؛ فصفّقت الجماعة وسمحت ، وحسنت وبحبحت ؛ وجعل الأديب يضطرب اضطَّراب العصفور ، ويتقلَّب تقلَّب الصّقور ، متيقّنا أن أسده صار جرذا ، وبازيه عاد صردا ( 3 ) ؛ ودوره انقلبت مخشلبا ( 4 ) ، وزيتونه تحوّل عربا ، وقناه تغيّر قصبا ، وأن مستقيمه تعوّج ؛ وجيّده تبهرج ، وصحيحه تدحرج ، وجديده تكرّج ؛ فقال منشدهم : ترى الرّجل النّحيف فتزدريه وتحت ثيابه أسد مزير ، ويعجبك الطَّرير فتبتليه فيخلف ظنّك الرجل الطَّرير . فما عظم الرّجال لهم بفخر ولكن فخرهم كرم وخير ! ( 5 ) فأخذه الإبلاس ( 6 ) ، وضاقت به الأنفاس ، وسكنت منه الحواسّ ،

--> ( 1 ) الطَّغام : أرذال الناس وأوغادهم ، واحدته : طغامّة ، بتشديد الميم ( المعجم الوسيط ) . ( 2 ) بياض في الأصل . ( 3 ) الصّرد : طائر أكبر من العصفور ضخم الرأس والمنقار يصيد صغار الحشرات ، وكانوا يتشاءمون به . ( 4 ) كذا في الطبعة الأميرية مع علامة توقف : ولعله : « خشبا » وهي جمع خشبة . ( 5 ) الشعر منسوب للعباس بن مرداس . وقيل للمتلمّس . والمزير : الشديد القلب القويّ ؛ ورجل طرير : ذو طرّة وهيئة حسنة . ( انظر لسان العرب : مادة مزر وطرر ) . ( 6 ) أبلس : سكت لحيرة أو انقطاع حجّة .